Yahoo!

حرم الله

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 15 حزيران 2006 الساعة: 06:03 ص

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إصداراتنا المطبوعة

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 10 حزيران 2006 الساعة: 14:08 م

 

إن هذا الكتاب يُضيء خطوطاً عامة بطريق علمي لمقولة الأمير عليه السلام: {رحم الله أمرء عرف من أين وفي أين وإلى أين} .. وهو موجه إلى جميع الذين يؤمنون بحقيقة الكرامة الإنسانية وبحقيقة رسالة الإنسان في الكون. فالواقع إن ما يميز الإنسان كإنسان هو وجود الفكر المجردة والخلقية والروحية فيه، فعلينا أن نبرهن أن لكل إنسان دوراً وإنه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 10 حزيران 2006 الساعة: 00:18 ص

أن النظر في الكون من الذرة إلى المجرة كلها تقود الإنسان إلى الله تعالى, فإذا نظرنا إلى الكون بنظرة واسعة و أخذنا مع تلك المعرفة معرفة أخرى لوصلنا في ظل ذلك، إلى عالم أفسح ملي بالقدرة و العلم و الكمال و الجمال. و على ذلك فكل المظاهر الطبيعية مع ما فيها من الجمال و الروعة و مع ما فيها من النُظم و السُنن آيات وجود بارئها و مكونها و منشئها، و عند ذلك يتجلى معنى هذا القول من أنَّ الطرق إلى معرفة الله بعدد الظواهر الطبيعية بدءاً بالذرة و انتهاء إلى المجرة. و لأجل ذلك نرى أنَّ رجال الوحي و دعاة التوحيد يركّزون في معرفته سبحانه على الدعوة إلى النظر في جمال الطبيعة و روعتها فإِنها أَصدق شاهد على أَنَّ لها صانعاً و مبدعاً، و هذا مشهود لمن طالع القرآن و تدبّر في آياته. ).

وأقصر هذه الطرق طريقان هما:

الطريق الأول: النظر في الآثار قال الإمام علي عليه السلام حين سئل عن إثبات الصانع فقال : ( البعرة تدل على البعير والروثة تدل على الحمير ، وآثار القدم تدل على المسير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلي بهذه الكثافة ، كيف لا يدلان على اللطيف الخبير ؟ ! )[1]. وفي دعاء عرفة للإمام الحسين (ع): (الهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليك منها كما دخل إليك منها..).

 وعلى‌ العموم‌، فهذا النوع‌ من‌ معرفة‌ الله‌، الذي‌ هو عبارة‌ عن‌ اقتفاء الأثر للوصول‌ إلی‌ المؤثّر، وبحث‌ سرّ الخلق‌ للوصول‌ إلی‌ الخالق‌ هي‌ معرفة‌ إجمالية‌ وليست‌ مفصّلة‌. معرفة‌ عن‌ بعد ومن‌ وراء حجاب‌، وليست‌ عن‌ قرب‌ وبدون‌ حجاب‌، وهي‌ معرفة‌ الضعفاء والعاجزين‌ لا معرفة‌ الرجال‌ قويّي‌ الإرادة‌ وعالي الهمة‌.

 هذه‌ المعرفة‌، معرفة‌ البعرة‌ التي‌ تدلّ علی‌ البعير، والروثة‌ تدلّ علی‌ الحمير. أين‌ هذا من‌ المعرفة‌ بعد مجاهدة‌ طويلة‌ وعذاب‌ مرير طوال‌ عمر مديد؟

 وكذلك‌ روي‌ عن‌ (جامع‌ الاخبار):  (سُئِلَ أَمِيرُ المُوْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَهِ عَلَيْهِ: مَا الدَّلِيلُ علی‌ إثْبَاتِ الصَّانِعِ؟!  قَالَ: ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: تَحْوِيلُ الحَالِ، وَضَعْفُ الاَرْكَانِ، وَنَقْضُ الهِمَّةِ).

 وفي‌ (التوحيد) للصدوق‌ …عن‌ هشام‌ بن‌ سالم‌ قال‌: (سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقِيلَ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟!  قَالَ: بِفَسْخِ العَزْمِ وَنَقْضِ الهَمِّ؛ عَزَمْتُ فَفَسَخَ عَزْمِي‌ وَهَمَمْتُ فَنَقَضَ هَمِّي). ‌ 

 ومثل‌ هذه‌ المعرفة‌، وهي‌ التي‌ يطلق‌ عليها في‌ المنطق‌ البرهان‌ (الإنّي‌ّ)؛ معرفة‌ من‌ المعلول‌ إلی‌ العلّة‌، من‌ المخلوق‌ إلی‌ الخالق‌، ومن‌ المصنوع‌ إلی‌ الصانع‌.

 سُئِلَتْ عجوز: كيف‌ عرفتِ الله‌؟ أجابت‌: من‌ آلة‌ النسيج‌ هذه‌، فعندما أمسك‌ مقبضها وأدوّره‌ بهذا الدوران‌ ينسج‌ الحبل‌، وحيث‌ أرفعُ يدي‌ وأتوقف‌ عن‌ التدوير تتوقّف‌ ويبقي‌ الصوف‌ والقطن‌ علی‌ حاله‌، عندها لا نسيج‌ ينسج‌، ولا ليف‌ يبرم‌.

 من‌ هنا أيقنت‌ أنّ للأفلاك والنجوم‌ والكواكب‌ السيّارة‌ والشمس‌ والقمر والأرض ونظام‌ الخلق‌ بأجمعه‌ خالقاً مقتدراً، متي‌ شاء عطّل‌ الوجود ورماه‌ في‌ هوّة‌ العدم‌. وإن‌ شاء أمدّه‌ بأسباب‌ الحياة‌ وأدار عجلة‌ استمراره‌.

 ولهذا قيل‌: (وَعَلَيْكُمْ بِدِينِ العَجِائِزِ)  ولكن‌ مهما يكن‌ من‌ أمر، عليك‌ أن‌ لا تنسي‌ بأنّك‌ تملك‌ إرادة‌، فإذا اقتصرت‌ علی‌ دين‌ العجائز كان‌ مصيرك‌ الحزن‌ والندامة‌ في‌ الحياة‌ الدنيا، والحسرة‌ والخذلان‌ في‌ الآخرة‌.

الطريق الثاني: معرفة النفس, قال رسول الله (ص) : (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وقال الإمام علي  (ع): (أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه), وهذا الطريق هو طريق أهل البيت عليهم السلام, وهو أقصر الطرق وأتمها .

وبدون هذين الطريقين لا تكون هناك معرفة ولا عرفان, ولا يمكن تحصل الكمال بغيرهما, ولا يمكن الاقتصار على واحد منهما. والأول هو ما يسمى بـ(العرفان العلمي أو النظري) والثاني هو (العرفان العملي أو السلوك).

وذلك لأن الإنسان –كما ذكرنا- كائن عجيب مكون من ظاهر وباطن وحقيقة ، وبهذا الاعتبار له ثلاث نشئات وثلاث عوالم: نشأة ظاهرية ملكية ناسوتية دنيوية هي بدنه، ونشأة باطنية غيبية ملكوتية تكون من عالم آخر،ونشأة واقعية ملكية ملكوتية وهي قيوميته بمقام الواحدية المثلية (عبدي أطعني تكن مثلي…) .

عندما يلجأ إلى الفكر والبرهان في طلب الحق سبحانه وسيره إلى الله, يكون سيره عقلياً وعلمياً, ولا يكون من نوع سير أهل السلوك وأرباب العرفان, لأنه قد سقط في الحجاب الأكبر والأعظم, من دون فرق بين أن ينظر إلى الأشياء من ماهياتها, والتي تعتبر الحجب الظلمانية, ويبحث عن الحق المتعالي من خلالها أو ينظر إلى الأشياء من خلال وجوداتها التي تكون حجباً نورانية .

إن الشرط الأول في السير إلى الله, هو الخروج من البيت المظلم للنفس والذات والأنانية. فكما أن الإنسان في السفر الخارجي العيني المحسوس, لا يكون مسافراً ما دام هو في مكانه وبيته رغم تخيّله السفر وتحدثه عن كونه مسافراً, بل لا بد من ترك المكان ومغادرة البيت حتى يقال أنه مسافر, وكما أن السفر الشرعي لا يتحقق إلا بعد مغادرة البلد واختفاء آثاره, فكذلك لا يتحقق هذا السفر العرفاني إلى الله, والهجرة الشهودية إلا بعد التخلي عن البيت المظلم للنفس واختفاء آثارها ومعالمها, لأنه ما دامت آثار التعينات مشهودة وأصوات الكثرات مسموعة, لا يكون الإنسان مسافراً, بل انه تخيل السفر وادّعى السير والسلوك قال الله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} سورة النساء /100.

فبعد أن يغادر السالك إلى الله بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة, بيت النفس, ولم يصطحب معه في هذا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مفهوم الرجعة عند الشهيد الصدر الثاني قدس سره

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 17 أيار 2006 الساعة: 09:37 ص

بحث حول الرجعة:
مفهوم الرجعة عنوان ينطبق على عدد من المعاني التي بعضها أكيد الصحة وقد قام الدليل عليه، وبعضها غير واضح بذلك الوضوح، أقصد من ناحية دليله.
وبالرغم من إن الآخرين قد أخذوا على الشيعة عدة مفاهيم يؤمنون بها ـ ومنها الرجعة ـ على إنها مفاهيم فاسدة باطلة، إلا إنها من زاوية الرجعة ـ التي نتكلم عنها الآن ـ نقول: إن كان بعض المعاني والتفسيرات للرجعة يمكن أن تكون في نظركم فاسدة، فإن هناك للرجعة تفسيرات صحيحة.
ومنها ما هو نص في القرآن الكريم، ومنها ما يتبنى الاتجاه التقليدي عندكم على الأيمان به ولا سبيل إلى إنكاره، كما سوف نوضح مفصلاً. فإن كانت الرجعة تنطبق على هذه الأمور بالذات إذن فأنتم تقولون بالرجعة وليس الشيعة فقط.


والمفهوم اللغوي للرجعة لا يعني أكثر من رجوع شيء بعد ابتعاده عنه، فقد كانا متجاورين ثم افترقا بسبب ما، ثم يعود أحدهما المعيّن إلى الأخر.
وهذا المفهوم اللغوي ينطبق إجمالاً على كل مفاهيم الرجعة ومعانيها.  فهو قد كان مجتمعاً مع البشرية في
Dفمثلاً إذا قلنا برجعة الإمام أمير المؤمنين  عصره ـ في صدر الإسلام ـ ثم افترق عنها بموته، ثم يعود إليها من جديد، وهكذا.
و الأفضل الآن أن نقضي الوقت الآتي باستعراض المهم من معاني الرجعة وتفسيراتها لنرى مقدار ما قام الدليل على صحته منها، مع الالتفات إلى إننا لا نستطيع أن نجزم ببطلان بعض المعاني منها ونستدل على فساده، ولا إن أولئك الآخرين يستطيعون ذلك. فقد قال ابن سينا قولته المشهورة: (ما قرع سمعك فذره في ساحة الإمكان حتى يذودك عنه ساطع البرهان).
وقد علّمنا ديننا إن ما سمعناه مما لا دليل على صحته لا حاجة إلى المبادرة إلى إنكاره، بل نوكل علمه إلى الله وإلى الراسخين في العلم، إذ لعلنا إذا أنكرناه واعتقدنا بفساده فقد نعتقد بفساد ما هو حق واقعاً، ومجرد الاحتمال كاف بهذا الصدد، وهذا الاحتمال قائم في ذهننا بالضرورة وفي أذهان أولئك الآخرين أيضا.
و إنما بادروا إلى إنكاره، من زاوية (مادية) لا من زاوية دينية، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، لأننا ينبغي أن نعترف إن الرجعة بأي معانيها لا يمكن إثباتها على مستوى (المادي) أو الماديين، إلا بعد بطلان التطرف المادي في عقولهم، وهذا البرهان قائم لدينا بعونه سبحانه، فنحن في فسحة من هذه الناحية.
إلا إن بعض المذاهب الإسلامية. بالرغم من انطلاقها من منطلق ديني ـ على ما هو المفروض ـ إلا إنها لم تنكر الرجعة من هذا المنطلق، إذ لا يوجد دليل على بطلانها و إنما كل ما في الأمر أنه قد يقال: أنه لا يوجد دليل على صحتها، وهذا ما سوف نبحثه عما قريب بعونه تعالى.
إذن فالاحتمال على صحتها قائم دينياً.
إذن فالمبادرة إلى إنكارها غير جائزة، ويجب إيكال علمها إلى الله عز وجل.
وينبغي الالتفات أيضاً إلى إن مفهوم الرجعة بأكثر معانيه، أو قل: انه هو كمفهوم مجرد، ليس من ضرورات الدين وواضحاته كوجوب الصلاة مثلاً. بحيث يجب الأيمان بها على كل حال، ويكون إنكارها إنكاراً للدين. كلاً، بل يكفي للجاهل به أن يوكل علمه إلى الله عز وجل. ويعترف بجهله في هذا المجال. شأنه في ذلك شأن بعض المفاهيم الأخرى كوجود الجنة والنار قبل يوم الحساب،  وهكذا. فكلها مما يجب إيكال علمها إليه8أو نزول جبرائيل إلى الأرض بعد النبي  سبحانه ولا يجوز المبادرة لإنكارها وإن لم يكن إنكارها خروجاً عن الدين.

وإذا أردنا استعراض معاني الرجعة وجدنا لها:
أولاًً: انقساماً رئيسياً قلما يتعرض له المفكرون المسلمون وهو الرجعة المعنوية والرجعة الظاهرية أو المادية؟. أو قل الرجعة الأخروية والرجعة الدنيوية كما سنوضح.
أما الرجعة المعنوية: فإننا نعلم ـ وقد تم البرهان عليه في الفلسفة والحكمة العليا ـ بأن الأشياء كلها في تكامل وتنام مستمر، وإنها متوجهة باستمرار نحو الكمال المطلق. إلا أنها لا تصل إليه بذاته لأنه لامتناه وغير محدود، و إنما هي في سفر دائم نحوه بمقتضى الشوق المركوز في ذواتها للكمال، لا تختلف في ذلك الموجودات جميعاً كل من زاوية رتبته ومقدار قابليته وعمله.
لا يستثنى من ذلك شيء، إلا ما حصل دونه الموانع. فقد تحصل الموانع في التسبيب إلى إبطاء هذا السير الحثيث.
وقد تحصل الموانع في قطع الوصول بالمرة. وعندئذ قد يقف الفرد عن التكامل لسوء توفيقه وقبح عمله. أو قد يتكامل في الشر والسوء وزيادة الظلم والعتو والاستكبار.
وقد وجد بين السحرة وإضرابهم من يميل إلى العمل الجاد من أجل الوصول إلى عالم الظلام والشياطين, حيث يُعدّونه كمالاً لهم, لا عالم النور السامي الذي ينحو نحوه المعتدلون بفطرتهم من الخلق.
فإن ذلك اعوجاج في الفطرة, بعد حصول المانع عن إدراك حقيقتها, لسوء عمل الفرد وظلام نفسه.
إلا إننا لو حسبنا مجموع الكون بصفته متجهاً نحو الكمال لم نجد موارد المانع أمراً كثيراً، بل لعله لا يشكل إلا نسبة ضئيلةً جداً في الكون.
وهو ـ لو التفتنا ـ نافع بالتأكيد، وفي وجه الحكمة الحقيقية لتكامل الآخرين. لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، فلا يمكن أن نعرف نعمة الأيمان إلا إذا عرفنا نقمة الكفر، ولا يمكن أن نعرف نعمة اليقين إلا إذا عرفنا نقمة الشك .. وهكذا.
وهذا هو التفسير الرئيسي لذلك القول الذي يفسر وجود الكفر والانحراف بالكون ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العلم والمعرفة

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 17 أيار 2006 الساعة: 09:26 ص

المعرفة والعلم:

العلم والمعرفة، من حيث إن كلا منهما يعني إدراك الشيء على ما هو عليه. إلا أن ثمة تباينا بينهما من الوجوه التالية:

1_ المعرفة مسبوقة بجهل، أو إدراك مسبوق بجهل. وليس العلم كذلك ولذلك يقال للحق سبحانه وتعالى عالم، ولا يقال له عارف.

2_ كما أن المعرفة قد يراد بها العلم الذي تسبقه غفلة، وليس العلم كذلك ومن ثم يسمى الله تعالى العليم وعالم الغيب وعلام الغيوب ولا يسمى عارفا.

3_ تطلق المعرفة على إدراك البسيط، ويطلق العلم على إدراك المركب، فتقول: عرفت الله ولا تقول علمته.

4_ تطلق المعرفة على ما يدرك بآثاره ولا تدرك ذاته. ويطلق العلم على ما تدرك ذاته. ولذلك يقال: عرفت الله، ولا يقال: علمته.

5_ خلاف المعرفة الإنكار، وخلاف العلم الجهل. وذلك لأن في معنى المعرفة الاعتراف والإقرار.

6_ وقيل: إن المعرفة تستعمل في التصورات، والعلم يستعمل في التصديقات. ولذلك تقول: عرفت الله ولا تقول علمته، لأن من شرط العلم أن يكون محيطاً بأحوال المعلوم إحاطة تامة. ومن أجل ذلك وصف الله تعالى نفسه بالعلم لا بالمعرفة.


ألفاظ ومصطلحات مرادفة للعلم والمعرفة:

أخذ العلم مفهوماً جامعاً لمعاني كثيرة ذلك لأن العلم أو المعرفة علاقة بين عالم ومعلوم، وبين ذات عارفة وموضوع معروف. فهو من جهة ما ذاتي ومن جهة أخرى موضوعي أي له موضوع متحقق في الخارج. ثم العلم أو المعرفة ـ عند من يرى ترادفهما ـ درجات تبدأ من الاتصال الحسي إلى التجريد العقلي، إلى المرور في مراحل الحفظ والتفكير، وهو كذلك حدس داخلي أو معرفة مباشرة وجدانية وهو كذلك إدراك للجزئيات، كما أنه إدراك للكليات، إدراك للبسيط كما هو إدراك للمركب. وله طريق حسي وطريق عقلي وقلبي، وبعضه كذلك إدراك بديهي لا يحتاج إلى دليل ونظر وكسب.

وبعضه الآخر كسبي يحتاج إلى النظر والاستدلال. والمعرفة كذلك علم من جهة، وعمل من جهة أخرى. وللعلم درجات من حيث الشك والظن واليقين فيه حركة للفكر في المعقولات كما أن فيه انقداح فكر وخاطر، وسرعة بديهة وذكاء، وقد يكو العلم علماً مجرداً سطحياً، كما قد يكون علماً مستغرقاً عميقاً أو فقها.


لذلك كله، نجد أن للعلم أو المعرفة مترادفات كثيرة، وإن كان كل لفظ مرادف، له علاقة العلم الشامل من جهة ما. وقد استقصينا هذه الألفاظ المرادفة، من خلال اللغة والاستعمال، ومن خلال بعض آيات القرآن الكريم. من هذه الألفاظ المرادفة للعلم والمعرفة الألفاظ التالية:

1_ الشعور:

الشعور في اللغة من شعر بمعنى علم وفطن ودرى. والمشاعر هل الحواس.
والشعور: علم الشيء علم حس. والشعور في الأصل اسم للعلم الدقيق، وأطلق بعض المفسرين الشعور على إدراك المشاعر أي الحواس الخمس. ويرى صاحب المنار أنه إدراك ما دق من حسي وعقلي وقد عرفه الرازي بأنه مرادف للعلم وأنه إدراك بغير استثبات، وأنه أول مراتب وصول العلوم إلى القوة العاقلة، وكأنه إدراك متزلزل، ولهذا لا يقال في الله تعالى إنه يشعر بكذا بل إنه يعلم كذا".

والشعور عند علماء النفس: إدراك المرء لذاته أو لأحواله وأفعاله، إدراكاً مباشراً وهو أساس كل معرفة، وللشعور مراتب متفاوتة الوضوح أهمها الشعور التلقائي التأملي.

أما الشعور التلقائي فهو الإطلاع الحدسي المباشر على أحوال النفس، أو مجرد الإدراك الخاطف لما يطرأ عليها. فكأن هذا الإدراك تسجيل للواقع كما هو، وكأن الرائي فيه لا يختلف عن المرئي في شيء.

والشعور التأملي وهو أوضح وأدق من الأول، وأعمق غوراً منه، لأنه يقتضي التفريق بين الرائي والمرئي، وبين العالم والمعلوم، ومتى بلغ الشعور هذه المرتبة، استطاع المدرك أن يقرأ ما في نفسه، وأن يحلل موضوع معرفته وأن ينقله إلى غيره.

وقد يطلق الشعور على ما يكشف به المرء عن وجوده الحقيقي، أي على مجموع الأحوال التي يشعر بها، ويسمى هذا الشعور بالشعور الذاتي أو بـ(وعي الذات).
أو يطلق على مجموع الأحوال النفسية المشتركة بين عدة أفراد ويسمى شعوراً جمْعيّا.
وجملة القول أن الشعور هو الظاهرة الأول للحياة العقلية أو هو ما تتميز به الظواهر النفسية عن الظواهر الطبيعية. وله عدة مظاهر هي: الحضور الذهني أو الإدراك المباشر، والأثر المركزي للتنبيه الحسي، والقدرة على الاختيار، وإدراك علاقة المدرك بالعالم الخارجي، وقدرته على التأثير فيه.

وقد وردت كلمة الشعور بهذا المعنى المرادف للعلم في القرآن في ثلاثة وعشرين موضعاً. منها قوله سبحانه:

{وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} 1.  {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} 2 . {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} 3 . {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} 4 .

2_ الإدراك:
وهو اللقاء والوصول. فيقال أدرك الغلام وأدركت الثمرة. قال الله تعالى: {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} 5. فالقوة العاقلة إذا وصلت إلى ماهية المعقول وحصلتها كان ذلك إدراكاً من هذه الجهة. أو هو إحاطة الشيء بكماله. ولذلك قال الله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ..} 6 .

ويطلق الإدراك كذلك على مجموعة معان تتعلق بالعلم هي:

ما يدل على حصول صورة الشيء عند العقل سواء كان ذلك الشيء مجرداً أو مادياً، جزئياً أو كلياً، حاضراً أو غائباً، حاصلاً في ذات المدرك أو آلته.

ثم إن الإدراك إذا دل على تمثُل حقيقة الشيء وحده، من غير حكم عليه بنفي أو إثبات سمى تصوراً، وإذا دل على تمثل حقيقة الشيء مع الحكم عليه بأحدهما سمى تصديقاً.

 والإدراك بهذا المعنى مرادف للعلم. وهو يتناول جميع القوى المدركة، فيقال إدراك الحس، وإدراك الخيال، وإدراك الوهم وإدراك العقل.

ويحدد بعض الفلاسفة الإدراك بالإدراك الحسي وحده، وحينئذ يكون أخص من العلم وقسماً منه، وبعضهم يوسع معناه فيطلقه على حضور صورة المشعور به، ويكون عندئذ حالة عقلية.

3_ التصور:

قال الرازي: "إذا حصل وقوف القوة العاقلة على المعنى وأدركه بتمامه فذلك هو التصور" وهو لفظ مشتق من الصورة، ولفظ الصورة حيث وضع فإنما وضع للهيئة الجسمانية الحاصلة في الجسم المتشكل، إلا أن الناس لما تخيلوا، أن الحقائق المعلومات تصير حالة في القوة العاقلة، كما أن الشكل والهيئة يحلاّن في المادة الجسمانية، وأطلقوا لفظ التصور عليه بهذا التأويل. وأطلق لفظ التصور قسماً من أقسام العلم وقسيماً للتصديق، إذا كان حصولاً لصورة الشيء في الذهن قبل الحكم عليه بنفي أو إثبات وهو ما سماه صاحب الشمسية بالتصور فقط، إذ قال: "العلم إما تصور فقط، وهو حصول صورة الشيء في العقل وأما تصور معه حكم، وهو إسناد أمر إلى آخر إيجاباً أو سلبا، ويقال للمجموع تصديق".

4_ الحفظ:

وذلك؛ إذا حصلت الصورة في العقل وتأكدت واستحكمت، وصارت بحيث لو زالت لتمكنت القوة العاقلة من استرجاعها واستعادتها، سميت تلك الحالة حفظاً. ولما كان الحفظ مشعراً بالتأكيد بعد الضعف، لا جرم لا يسمى علم الله تعالى حفظاً، ولأنه إنما يحتاج إلى حفظ وما يجوز زواله ولما كان ذلك في علم الله محالاً، لا جرم لا يسمى حفظاً.
5_ التذكر:

الصور المحفوظة إذا زالت عن القوة العاقلة، وحاول الذهن استرجاعها فتلك المحاولة هي التذكر، والتذكر سر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، ذلك أن "التذكر صار عبارة ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المناهج العقلية الفلسفية وسمو منطق‌ الشهود والعرفان‌

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 17 أيار 2006 الساعة: 08:57 ص

  مذهب‌ العرفان‌ والشهود أعلی‌ من‌ كل المذاهب‌ :

 إن هذا المذهب‌ المبني علی‌ أساس‌ الرؤية‌ القلبية‌ والمشاهدة‌ الوجدانية‌ لا يقول‌ بأن مذهب‌ الحكمة‌ و الفلسفة‌ مذهبٌ باطل‌ ، بل‌ يقول‌ بأن هذا موطن‌ آخر ومقام‌ مختلف‌, آلته الذهن البشري.. وأما العرفان فمقامٌ أعلی‌ وأسمى‌ ‌ يمثل‌ فيه‌ القلب‌ العلوم‌ ووارداته‌ .

 إن محل العلوم‌ الحاصلة‌ من‌ الفلسفة‌  هو الذهن‌ ، ومكانه‌ الدماغ‌ . وبإمكان‌ الإنسان‌ معرفة‌ الله‌ عن‌ بعد بواسطة‌ هذا المذهب‌ . فهو مثلاً يريد الوصول‌ إلی‌ حقيقة‌ الشمس‌ وهو جالس‌ علی‌ الأرض ، ويري‌ الأمواج الحاصلة‌ فيها . نعم‌ ، إنّه‌ يري‌ لكنه‌ يفعل‌ ذلك‌ وهو في‌ حالة‌ الغفلة‌ والبعد ؛ وفي‌ حالة‌ الأثر والصورة لا في‌ حالة‌ الواقع‌ والحقيقة‌ .

قال المولى سبحانه وتعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [1]

 إن البحث‌ والدعوة‌ بالحكمة‌ معناه‌ البحث‌ علی‌ أساس‌ من‌ الحقائق‌ والواقعيات‌, والمجادلة‌ بالتي‌ هي‌ أحسن‌ تعني‌ ترتيب‌ القياسات‌ المنطقية‌ الصحيحة‌ واستخدام‌ البرهان‌ الفلسفي ، وطرح‌ الاعتبارات والمغالطات‌ وطريقة‌ الخطابة‌ وما إلی‌ ذلك‌. ولا جرم‌ أن مذهب‌ ومنهج‌ الرسول‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وأمير المؤمنين‌ وباقي‌ الأئمة صلوات‌ الله‌ وسلامه‌ عليهم‌ أجمعين‌ هو مذهب‌ برهانيّ عقليّ قويّ ، وهو مضافاً إلی‌ ذلك‌ منهاج‌ فلسفيّ عجيب‌ و غريب‌ . إنّ مَن‌ يُلقي‌ نظرة‌ علی‌ تلكم‌ الطريقة‌ ويتعرّف‌ علی‌ ذلك‌ النهج‌ يستنتج‌ في‌ الحال‌ أنّ بحوثهم‌ ومجادلتهم‌ مع‌ مناوئيهم‌ وخصومهم‌ كانت‌ كلّها تستند علی‌ أساس‌ المقدّمات‌ الفلسفيّة‌, وكانوا يُفحمون‌ المقابل‌ باستخدام‌ القوى‌ العقلية‌ والفكريّة‌ ، فكان‌ الخصم‌ يُغلَب‌ لا محالة‌ وهو كظيم‌ .

 وللإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ رئيس‌ المذهب‌ الجعفري ومؤسسه‌ ، تلاميذ كان‌ يقوم‌ بتدريبهم‌ وتربيتهم‌ علی‌ المجادلة‌ والمناقشة‌ علی‌ أساس‌ المنطق‌ و استخدام‌ الصحيح‌ من‌ الصغرى‌ والكبرى‌ عند العمل‌ بالقياس‌ في‌ مقابل‌ الكفّار والمعاندين‌ والماديين‌ وحتى المخالفين‌ من‌ العامّة‌ .

 وهشام‌ بن‌ الحكم‌ كان‌ أحد العارفين‌ بالمذاهب‌ والفلسفة‌ . لكنا نراه‌ منقاداً وخاضعاً في‌ مقابل‌ الإمام‌ الصادق‌ ومطيعاً له‌ ، وكان‌ الإمام‌ عليه‌ السلام‌ بالمقابل‌ يقوم‌ بتعزيز وتشييد أسسه‌ وتقوية‌ مقدرته‌ بنفس‌ البرهان‌ المنطقي‌ّ ذاك‌ .

 وكذا كانت‌ مباحثات‌ ومناقشات‌ الإمام‌ الرضا عليه‌ السلام‌ مع‌ العلماء غير المسلمين‌ ، ومع‌ المسلمين‌ العاميّي‌ المسلك‌ علی‌ السواء ، كلّها تستند إلی‌ البرهان‌ والعقل‌ ؛ ولم‌ يكن‌ يقول‌ لهم‌ : إنّ قلبك‌ يؤمن‌ بوجود الله‌ ، فلا حاجة‌ إلی‌ البحث‌ في‌ ذلك‌ معك‌ !

 هل‌ سمع‌ أحدكم‌ أو قرأ أنّ نبيّاً أو إماماً أحال‌ المشركين‌ أو علماءهم‌ إلی‌ العلم‌ الوجدانيّ والشهودي قائلاً لهم‌ : بما أ نّني‌ أعلَمُ أنّ الله‌ موجود وإنّني‌ نبيّه‌ ورسوله‌ ، فعليك‌ أنت‌ كذلك‌ أن‌ تؤمن‌ بذلك‌ وتقبله‌ … ! هذا يسمّي‌ تحكيماً ؛ والتحكيم‌ مردود ومرفوض‌ في‌ أيّ مذهب‌ ومدرسة‌ لاهوتيّة‌ ، بل‌ حتى بين‌ الشعوب‌ المتوحّشة‌ . في‌ حين‌ نري‌ أنّ أيّ أمر أو مسألة‌ تكون‌ مقبولة‌ وصحيحة‌ إذا كانت‌ ناتجة‌ عن‌ البرهان‌ والمنطق‌ .

 لقد كانت‌ سلسلة‌ الدروس‌ التي‌ كان‌ يُلقيها الإمام‌ الصادق‌ عليه‌ السلام‌ خلال‌ فترة‌ ثلاثين‌ سنة‌ من‌ نشرٍ للعلوم‌ ودرس‌ وتعلیم‌ وتربية‌ في‌ مدينة‌ رسول‌ الله‌ في‌ بستانه‌ الخاصّ تستند كلّها إلی‌ البراهين‌ المنطقيّة‌ والأدلة العقليّة‌ والمسلّمات‌ ومسائل‌ الحكمة‌ التوحيديّة‌, مما حدا مثلاً بابن‌ أبي‌ العوجاء ، وهو أحد المؤمنين‌ بالمذهب‌ المادّيّ والطبيعي‌ّ ، إلی‌ القول‌ : (إنّي‌ لا أملك‌ إلاّ أن‌ أكون‌ خاضعاً خاشعاً في‌ دروس‌ هذا الرجل‌ ، ولا أستطيع‌ التكلّم‌ ببنت‌ شفة‌ وأنا أستمعُ دروسه‌ ، وأراني‌ عاجزاً عن‌ التقدّم‌  في‌ حُجّتي‌ ومجادلتي‌ خطوة‌ واحدة‌ . فلو كان‌ للإنسان‌ وجود لانحصر في‌ هذا الرجل‌ ؛ ولكان‌ جميع‌ مَن‌ سواه‌ في‌ عداد الانعام‌)!

 وبالطبع‌ فإنّ وجود مثل‌ هذا المذهب‌ لازم‌ وضروري‌ّ ؛ والمطلوب‌ من‌ جميع‌ علماء الإسلام‌ التسلّح‌ بهذا البرهان‌ القويّ والمنطق‌ الحقّ والحكمة‌ الإلهيّة‌ والفلسفة‌ المتعالية وأن‌ يبرعوا في‌ استخدام‌ كلّ ذلك‌ ، حتى يتسنى لهم‌ الإجابة‌ علی‌ شبهات‌ الملحدين‌ والضالين والماديين‌ والسوفسطائيّين‌ في‌ عصرنا الحاضر ، ويثبتوا في‌ مقابل‌ الفِرَق‌ الأخرى ويصمدوا في‌ وجوهها .

لكنّ الأمر هنا يتعلّق‌ بمسألة‌ مهمّة‌ ، وهي‌ : هل‌ يكون‌ هذا المذهب‌ أو المنهج‌ كافٍ ووافٍ أم‌ لا ؟! هل‌ بإمكان‌ الإنسان‌ أن‌ يُؤنس‌ قلبه‌ ويُبهج‌ فؤاده‌ بذكر الله‌ وأنسه‌ والتعرّف‌ علی‌ أسمائه‌ وصفاته‌ ويتلمّسها عن‌ قُرب‌ ؟!

 هل‌ تَعلّم‌ الفلسفة‌ وحدها يُطمئن‌ القلوب‌ ويُهدّئها ؟! هل‌ بإمكان‌ العلوم‌ العقليّة‌ والتفكيرية تَهدِئَة‌ النفس‌ ومنحها الخضوع‌ والخشوع‌ الوجدانيّينِ أمام‌ الحقّ والحقانيات والواقعيّات‌ وعالَم‌ الخَلق‌ وصرح‌ الأصالة البهي‌ّ ، دون‌ الاستعانة‌ بالفيوضات‌ القلبيّة‌ الربّانيّة‌ ، أم‌ لا ؟!  ولا شكّ في‌ أنّ الإنسان‌ ما كان‌ ليؤدّي‌ العبادة‌ لله‌ لولا كونه‌ في‌ مقام‌ العبوديّة‌ .

إذن‌ ، هل‌ يكفي‌ أن‌ يكون‌ الإنسان‌ قد توصّل‌ إلی‌ إثبات‌ وجود الله‌ تعالى بالمذهب‌ الفلسفي‌ّ والبرهان‌ ، وإن‌ كان‌ فاسقاً فاجراً يُعاقر الخمر ويتعاطى‌ القمار والميسر ؟!

 لقد كان‌ كثير من‌ العلماء الإنجليز موحّدين‌ ، يعبدون‌ الله‌ تعالى ؛ فداروين‌ كان‌ ممن‌ يعبدون‌ الله‌ ومن‌ المؤمنين‌ بالمسيح‌ علی‌ نبيّنا وآله‌ وعليه‌ السلام‌ ؛ وفلاماريون‌ العالِم‌ الفرنسي‌ّ كذلك‌ كان‌ من‌ أهل‌ الكتاب‌ ، وممّن‌ أ لّف‌ كتاباً أسماه‌ (الله‌ في‌ الطبيعة‌) حيث‌ يقوم‌ بإثبات‌ وجود الله‌ علی‌ أساس‌ خمسة‌ أدلّة‌ من‌ الأصول المُسلّمة‌ للعلوم‌ المادية‌ ؛ فهل‌ يكون‌ هذا النوع‌ من‌ النهج‌ والاعتقاد وهذا النمط‌ من‌ الإثبات‌ كافٍ أم‌ لا ؟!

 هل‌ بإمكان‌ المناهج‌ المذكورة‌ والطرق‌ المُبيّنة‌ أعلاه‌ إظهار الله‌ عبرَ المرحلة‌ العينيّة‌ أم‌ لا؟! هل‌ باستطاعتها إبداء الحقّ تعالى شأنه‌ كما هو مطلوب‌ منها أن‌ تبديه‌ ، ثمّ بالتالي إيجاد علاقة‌ بين‌ الإنسان‌ وحضرة‌ جلاله‌ ، أم‌ هي‌ عاجزة‌ عن‌ ذلك‌ كلّه‌ ؟!

 ومهما يكن‌ من‌ أمر ، فإنّ المسألة‌ هنا ، كما قلنا ، تتعلّق‌ بالسؤال‌ التالي : هل‌ يكون‌ هذا المذهب‌ أو المنهج‌ كافٍ ووافٍ أم‌ لا ؟!

 إنّ المذهب‌ الذي‌ سلكه‌ الأنبياء والأولياء والأئمّة‌ عليهم‌ السلام‌ مذهب‌ تفوق‌ مرتبته‌ هذه‌ المرتبة‌ وترقي‌ عليها ، والأكثر انسجاماً واطمئناناً ؛ ألا وهو مذهب‌ الشهود .

 إنّ ذلك‌ النمط‌ من‌ السير والتحرّك‌ نحو معرفة‌ الحقّ تعالى ينطق‌ قائلاً : إنّ هناك‌ حاسّةً أُخرى‌ أرقى من‌ أذهاننا وأسمي‌ من‌ القوى‌ المفكّرة‌ لأي إنسان‌ مُفكِّر ؛ أنا شخصيّاً لا أعلم‌ ما تُسمّونها ؛ ربّما الحاسّة‌ السادسة‌ أو غير ذلك‌ ! ما أُريد قوله‌ ، هو أ نّه‌ توجد حاسّة‌ أُخرى‌ في‌ الإنسان‌ هي‌ الوجدان‌ ، ويدعونه‌ بالقلب‌ والفؤاد أو الضمير . قولوا عنه‌ ما شئتم‌؛ علی‌ الإنسان‌ أن‌ يدرك‌ الله‌ بتلك‌ الحاسّة‌ [2] .

 توجد هذه‌ الحاسّة‌ في‌ جميع‌ أفراد البشر وهي‌ حاسّة‌ قويّة‌ وفعّالة‌ جداً,  لكن الابتلاء بالماديات‌ والجري‌ وراء الآمال‌ الخسيسة‌ والدنيئة‌ والبهيميّة‌ والشيطانيّة‌ ، والغوص‌ في‌ الخيالات‌ والاهتمام‌ بأوهام‌ عالَم‌ الاعتبار والكثرات‌ ، كلّ تلك‌ أضحت‌ حُجُباً غَطّت‌ تلك‌ الحاسّة‌ بالكامل‌ ، وأدّت‌ إلی‌ إضعافها وخنقها .

 وهنا يكمن‌ السبب‌ في‌ عجز الإنسان‌ عن‌ الاستفادة‌ من‌ تلك‌ الحاسّة‌ ؛ فلو سلك‌ طريق‌ العبوديّة‌ الحقة‌ فإن وصوله‌ به‌ سيكون‌ سهلاً يسيراً .

 إن أي نبي بُعث كان‌ يقول‌ : أيُّها الناس‌ ! اتَّقُوا اللَهَ وَأَطِيعُونِ . وقد وردت‌ هذه‌ العبارة‌ علی‌ لسان‌ عدّة‌ من‌ الأنبياء في‌ سورة‌ الشعراء حيث‌ كان‌ كلّ واحد منهم‌ يقول‌ : فَاتَّقُوا اللَهَ وَأَطِيعُونِ .

 أي‌ : افعلوا كلّ ما آمُركم‌ به‌ ، وانتهوا عن‌ كلّ فعلٍ أنهاكم‌ عنه‌ ، حتى يتولاكم الله‌ برحمته‌ ويغفر لكم‌ خطاياكم‌ ! أقيموا الصلاة‌ ! آتوا الزكاة‌ ! صوموا ! آمروا بالمعروف‌ وانهوا عن‌ المنكر ! اثبتوا في‌ البأساء والضرّاء ! حِجّوا بيت‌ الله‌ الحرام‌ ! جاهدوا ! افعلوا كذا وكذا ! قوموا في‌ ل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

معنى السلوك

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 6 آذار 2006 الساعة: 21:11 م

معنى السلوك

سؤال : ما هي كيفية السلوك الى الله عز وجل ؟ و ما هي اطوار السالكين؟

جواب : لا بُدَّ و أن نعرف أولاً بأن معنى " السُّلُوك " من حيث اللغة هو الدخول، و قد وَرَدَ ذكر السلوك بهذا المعنى في القرآن الكريم في مواضع عديدة منها قول الله عزَّ و جل: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ …} أي أدْخِل يدك، و منها أيضا قوله الله تعالى: { فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } أي ما أدخلكم في سقر.

ثم أننا لا بد و أن نعرف بأن السلوك إلى الله -على حد التعبير المصطلح- إنما يكون بإتخاذ النهج الإلهي طريقاً للوصول الى مرضاة الله و التقَرُّب إليه، و هو ما لا يحصل إلا بالطاعة المطلقة لله عَزَّ و جَلَّ من خلال الإمتثال لأوامر الله و إجتناب نواهيه .

إذن فالسلوك و السير إلى الله -حسب المصطلح في العرفان الإسلامي الصحيح- ليس إلاَّ ما أشرنا إليه، لا كما يتوهمه بعض الناس بأنه مجموعة أوراد و أذكار يرددها الإنسان فيتوصل من خلالها إلى مقام القُرب الإلهي .

لكن ينبغي التنبيه على أن الأذكار و الأدعية المأثورة تُعَدُّ من العوامل المؤثرة في إيجاد حالة التَّذكر و التوجه إلى الله بشرط أن لا يتعامل الإنسان معها كمجرد ألفاظ و نصوص سِحريَّة يتلفظها حتى تتحقق أمانيه دون أن يعرف القصد من إنشاء تلك النصوص أو أن يتع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (المعنى العرفاني)ق2

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 4 آذار 2006 الساعة: 21:48 م

القسم الثاني

قبل البدء بمضامين هذا القسم ينبغي الإماع إلى أنه بما أن كلمه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يحتوي على سطر من الكلام تقريباً, ونحتاج أحياناً إلى رعاية الاختصار.

ومن هنا نقترح فيما يلي من هذا الكتاب أننا إذا أردنا التعبير من هذا المعنى قلنا (وظيفة الهداية) لما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هداية للشريعة والأهداف التي يردها الله سبحانه من خلقه, وإن أردنا التعبير من أحداهما فقط, يعني (الأمر بالمعروف) وحدة أو (النهي عن المنكر) وحده , قلناه بأسمه وعنوانه.

أولاً

الفرق بين الأمر بالمعرف وبين النهي عن المنكر

س1: مالفرق بين الامر بالمعروف من ناحية والنهي عن المنكر من ناحية ؟

ج : الفرق بيهما واضح عملياً , لأنه الامر بالمعروف يحتوي على الحث على الطاعة والنهي على المنكر يحتوي على الزجر عن المعصية .فالفرق بينهما واضح ومؤكد .

إلآ انه قد يقال : إن مقتضى القاعدة في الشريعة : ان ترك المعروف من المنكر وترك المنكر من المعروف وبهذا يندرج الامر بأحدهما الامر بالأخر . الامر بالمعروف نهي عن المنكر , ( يعني من ترك هذا المعروف) والنهي عن المنكر امرُ بالمعروف ( يعني امر بترك المنكر) .

س2: وهل يثبت هذا الامر على مستوى الالزام وغيره ؟

ج : نعم يثبت منطقياً وعقلياً فعلى مستوى الإزام فإن ترك الواجب حرام وترك الحرام واجب . وعلى مستوى غير الإلتزام فإن ترك المستحب مكروه وترك المكروه مستحب .

س3: هنا يرد أشكال حاصله . أننا ينبغي ان نقتصر على الأمر العرفي والعملي , لما أسس في علم الأصول من ( حجية الفهم العرفي للألفاظ )؟

ج : يمكننا ان نسجل عدة أجوبة على هذا الإشكال والجواب الذي قبله  نذكر أهمها:

 الجواب الأول: إن هذا ( أي الثبوت على مستوى الالزام وغيره) وإن كان صحيحاً منطقياً وعقلياً, إلاّ أننا لاحاجة أن نلحض اللازم أو المنطقي فيصمد الإشكال وهو الاقتصار على الأمر العرفي والعملي.

ولا شك أن هذين العنوانين اعني ( الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ) مما ورد في الادلة المعتبرة فيجب فهمها فهماً عرفياً .

 الجواب الثاني : إنهم ذكرو في علم الاصول : ان ترك الواجب وان كان حراماً وترك الحرام وان كان واجباً, الآ اننا في تشخيص المعنى يجب ان نلاحض ماهو محل الخطاب والانشاء.

محط الانشاء في الواجب هو الفعل , ومن هنا كان الامر دون النهي عنه , ولا حتى من تركه الآ بالملازمة. ومحط الأنشاء في الحرام وكذلك أيضاً. ومن هنا كان النهي عنه دون الامر بتركه.

وبتعبير آخر : أن الامر بالفعل دون الامر بالفعل دون الامر بالترك هو الملاحض في جانب الآمر والنهي.

فمتعلق الامر هو فعل الواجب , ومتعلق الزجر هو فعل الحرام . وكذلك لو لاحضنا الملاك من ( مصلحة والمفسدة ) فأن متعلقة بالافعال لا بأضدادها إذاً , فالامر بالشىء لا يقتضي الامر عن ضده . فنأمل تعرف الكلام في علم الاصول .

ثانياً

الفرق بين الجهاد ووظيفة الهداية

س1: الجهاد ايضاً شكل من اشكال الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ذات كما ان قد يخطر في البال ان هذه الوظيفة ايضاً جهاد او نوع منه , وخاصه اذا تعرض الفرد الى نوع من الخطورة ومن التضحية . وهنا يرد السؤال وهو : مالفرق بين الجهاد ووظيفة الهداية ؟

ج : جواب ذلك يكون على عدة مستويات:

المستوى الاول:الفرق بين العنوانين المتعلقين،فمتعلق أحد الأخرين هو (الجهاد) ومتعلق الأخر هو (الامر با لمعروف والنهي عن المنكر)ولاشك أننا ندرك فرقاً عرفياً بينهما مضافاً الى الفرق اللغوي.وهذا يكفي.

المستوى الثاني:الفرق العملي الغالبي بين الوظيفتينن ,فوضيفة الجهاد تستلزم الحرب غالباًاو دائماً.ووظيفة الهداية لاتسلزمها .غالباً او دائماً وهذا يكفي في الفرق .

س 2: ان وجود الحرب وعدمه لايصلح فرقاً بين الوضيفتين , لان الجهاد قد يتم بدون حرب كما في الارض المفتوحة بالصلح او ياسلام اهلها, ومع ذالك فهو جهاد(اعني ان محاولة السيطرة على تلك البلدة اسلامياً من الجهاد بلا شك ) .

كما ان الامر بالمعروف قد يستلزم الحرب, وذالك في عدة صور:

الصورة الاولى : الضرب الفردي او ( الحرب الفردية ) لو صح التعبير , فيما لو توقف الامر بالعروف على الجرم او القتل .

الصورة الثانية : جهاد البغاة , فانهم بصفتهم من المسلمين اصلاً لايكون جهادهم بالمعنى الاصطلاحي وانما هو نوع من النهي عن المنكر .

الصورة الثالثة: فيما إذا كان الامر بالمعروف موجهاً الى جماعة أو مجتمع, وتوقف على القتال. وهو افتراض لم يسجل في (رسائل الفقهاء) إلاّ أن قد يحصل على أي حال.

ج : اعلم؛ أن الفرق بين الوظيفتين ليس هو الحرب وعدمها .ولكن لولا حظنا  الغالب  لكان كذلك لآن الاغلب في الجهاد  هو الحرب والأغلب في غيره عدمه .ولكن مع التدقيق يرتفع هذا التفريق,فيصح الاشكال ولا يصمد أمامه شىْ.

المستوى الثالث :قالوا: ان الوظيفتين تختلفان في المتعلق, معنى الشخص المدعو ,فرداً أوجماعة أو مجتمع.

ففي الجهاد يكون المدعو هم (الكفار والمشركون)لاجل صرفهم الى الاسلام أو الى حكمه وسيطرته.

وأما وظيفة الهداية التي نتكلم عنها فمتعلقها المسلمون والفساق وامثالهم.0فهم اذ يتركون الطاعة ناْمرهم فعلها ,واذ يفعلون المعاصي ننهاهم عنها ,عملاً بالوظيفة الشرعية .

س6: هذا التفريق بين الوظيفتين في هذا المستوى لطيف ,الأ انه لا دليل عليه لا من كتاب ولا سنة ؟!

ج : نعم هو كذلك , وأنما هو تفريق أفتراضي مبتن على الذوق لا أكثر .ومن هنا لا يكون حجة .وهذا التفريق هو الذي أشرنا ألية قبل قليل من أن :جهاد البغاة لا يكون جهاداً اصطلاحياً لانه ضد بعض المسلمين دون الكفار .

المستوى الرابع :أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط بشروط معينة وهذا صحيح .في حين أن الجهاد غير مشروط بتلك الشروط .

س7 : وهل يصح ويثبت هذا الفرق ؟

ج : هو بحسب الظاهر الصحيح . إلآ إذا استطعنا أن نؤول الشروط بحيث يفهم منها معنى مشتركاً . إذ لاشك أن للجهاد شروطه أيضاً . وهي بمعنى أو بآخر تشبه وظيفة الهداية .

فمثلاً من الشروط :

 اولاً : أن يعلم أن هذا الفعل من المنكر . يقابله في الجهاد : أن نعلم أن هؤلاء كفار أو مشركون .

ثانياً : أن يحتمل الفرد طاعة الفرد العاصي للنهي أو الامر .ويقابله في الجهاد : احتمال الانتصار ,فلو كان احتماله ضعيفاً لم يجب الجهاد ,وأذا لم يجب كان حراماً على الاغلب .

ثالثاً : أن لا يخاف من الاعتداءعليه.ويقابله في الجهاد :ان لا يكون المسكر الكافر اكثر من الضعف عدداً وعدة .

فاذا أخذنا بهذا الشكل من التأويل أو المزج بين الشروط,كان هذا التفريق غير تام .ٍٍٍٍٍٍٍ

المستوى الخامس :أن المعروف والمنكر أنما هو الطاعة أو المععصية من المسلمين.وهذا لا ينطبق على الكفار

س8: أليس هذا المستوى دليل من يقول بالمستوى الثالث السابق؟

ج : نعم هو كذلك,الآان هذا المستوىموقوف على أمرين .

الأمر الأول: أن لا يكون الكفر منكراً اصطلاحاً وإلاّ كان جهاده منهياً عن المنكر لا محالة ولا أشكال من انه من أشد المنكرات (أن الشرك لظلم عظيم).

الأمر الثاني:ان لا يكون الكفار مكلفون بالفروع .فلو كان مكلفين بها , مثل وجوب الصلاة وحرمة وحرمة السرقه , كما هو الصحيح لشمول اطلاقات الادلة للبشر أجمعين .

إذن فاللازم من تكليفهم أنهم لو تركوا الطاعة أو فعلوا المعصية بنظر الاسلام , كان ذلك منكراً أيظاً ,  تماماً كما لو صدر من المسلمين ومن هذه الناحية ) , مع زيادة كفرهم أشركهم بطبيعة الحال .

وعليه,  فهذا المستوى من التفريق بين الوظيفتين لا يخلو من مناقشة.

المستوى السادس: إن هدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  هو الهداية, يعني وجود الطاعة وارتفاع أو انتفاء المعصية. وهدف الجهاد هو ليس كذلك, كهدف مباشر أو أولي, وإن استهدف ذلك في نهاية المطاف, إلاّ أن هدفه المباشر هو السيطرة على البلاد وإدخالها تحت ذمة الإسلام والمسلمين وحكمهم, سواء كانت تلك البلاد خارجة بالأصل عن الإسلام كبلاد الكفار والمشركين, أو متمرة, كما في البُغاة. وهذا هو الصحيح.

ثالثاً

معنى المعروف

س1: ما المعنى المراد من الـ(المعروف)؟

ج : قال بن منظور: (المعروف ضد المنكر والعُرف ضد النُكر. يُقال: أولاه عُرفاً, أي معروفاً. والمعروف والعارفة خلاف المنكر, والعرف والمعروف: الجود. وقيل هو أسمى ما تبذله وتعطيه) إلى أن قال: (وقد تكرر اسم المعروف في الحديث, وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس, وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات, وهو من الصفات الغالبة, أي معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكروه. والمعروف: النِصْفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس. والمنكر ضد ذلك جميعه).

يتحصل من كلامه؛ إن للمعروف عدة معاني بعضها متقارب:

1-  أن يكون مأخوذاً من العلم, فإن العرفان والمعرفة هو العلم, ولامعروف هو المعلوم.

2-  أن يكون من العلم العى العام, وهو الشهرة, والمعروف هو المشهور.

3-  أن يكون بمعنى مطلق الخبر بأي ميزان أو جهة نظر, سواء كانت شرعية أو غيرها.

4-  أن يكون بمعنى الخبر المطلوب شرعاً, وهو الطاعة, وضدها المعصية المنهي عنها.

5-  أن يكون بمعنى العدل والإنصاف مع الناس.

6-  إن المعروف هو الجود والكرم, بمعنى قضاء الحوائج مطلقاً بالمال وغيره.

7-  إن المعروف هو الجود بالمال على الخصوص.

س2: إن لكل شئ ضد (إن كانت هذه القاعدة صادقة) أي أن لكل أسم أو صفة ما يضاده, فهل لهذه المعاني أضداد؟

ج : نعم لها أضداد وهي كما يلي: 

1- العلم ضد الجهل.

2- المشهور ضد الشنيع.

3- الخير ضد الشر.

4- الطاعة ضدها المعصية.

5- العدل ضد الظلم.

6- الكرم بقضاء الحوائج ضد الانقباض عنها.

7- الكرم بالمال ضد البخل به.

س3: ألا يكون المنكر ضداً لهذه المعاني؟

ج : لا يتعين لفظ الـ(منكر) أن يكون ض

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حقيقة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (المعنى العرفاني) ق1

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 4 آذار 2006 الساعة: 21:26 م

القسم الأول

 

س1: المعروف والمنكر معنيان مختلفان من جهة الخصوصية فكيف أمكن اقترانهما في عنوان واحد؟

ج : اعلم؛ إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتخذا معنىً مشتركاً, باعتبار أنه من الناحية العرفية والمتشرعية يكون ترك الواجب حراماً وترك الحرام واجباً. أو قل: إن ترك المعروف منكر وترك المنكر معروف, وإن لم يكن كذلك بالدقة العقلية. وسنبين ذلك بالتفصيل في القسم الثاني من هذا الكتاب.

س2: نحن نفهم من هذه الوظيفة (أي وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ثلاثة أمور هي: الآمر بالمعروف, والمأمور بالمعروف, ومحتوى الأمر نفسه. فهل لنا أن نفهم كل من هذه الأصناف؟

ج : اعلم؛ أنه مضافاً إلى هذه الأصناف الثلاثة التي ذكرتموها, هنالك أمور أخرى خارج ذلك نسبياً, وهي: (فعل المأمور الذي سبب ذلك الأمر, والمصلحة التي اكتنفت ذلك الحال, والمستوى الذي صدر منه ذلك الأمر).

فمن ناحية الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر, يمكن أن نفهمه من مستويات متعددة, وهي:

المستوى  الأول: الله سبحانه وتعالى, في هدايته التكوينية والتشريعية لخلقه.

المستوى الثاني: الأنبياء عموماً, في أدائهم لوظيفتهم النبوية أو الرسالية.

المستوى الثالث: الأوصياء عموماً, في أدائهم لوظائفهم أيضاً.

المستوى الرابع: نبي الإسلام (ص) كذلك.

المستوى الخامس: الأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم.

المستوى السادس: الفقهاء العاملون جيلاً بعد جيل من أجيال الإسلام.

المستوى  السابع: المؤلفون لكتب الهداية الدينية, بغض النظر عن موضوعها, سواء كانت تاريخياً أو فقهياً أو تفسيراً أو حديثاً أو غيرها.

المستوى الثامن: أي آمر بالمعروف أو ناهٍ عن المنكر في حوادث جزئية مشتتة, هو الفهم التقليدي له.

المستوى التاسع: أي شهير أو أمير أو مدير خطرت في ذهنه فكرة راجحة دينياً وإنسانياً فطبقها على فرد أو جماعة.

المستوى العاشر: العقل, باعتبار ما ورد: {العقل نبي من الداخل}.

المستوى الحادي عشر: الإلهام, لأولئك الصفوة من المقربين الذين يشعرون به.

المستوى الثاني عشر: جبرائيل (ع), بصفته مُحدثاً للنبي (ص) وغيره.

المستوى الثالث عشر: أي شئ من الخلق, بصفته مصدراً للعبرة والهداية, طبقاً لقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} وقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ }. غير أن الأمر هنا إنما هو بلسان الحال لا بلسان المقال, لا يختلف في ذلك أرض عن سماء, وحيوان عن جماد, كما قال الشاعر:

وفـي كل شـئ له آيـة             تدل علـى أنـه الواحـد

المستوى الرابع عشر: أعداء الله وأعداء رسوله, فقد يكونون سبباً (من حيث لا يعلمون) للهداية والتفات الفرد إلى بعض الأفكار المهمة التي لم يكن ملتفتاً إليها, أو سبباً لرسوخ العقيدة بعد أن كانت ضعيفة, وهكذا.

           ونستطيع القول هنا: إن الأمر هنا ضمنياً, وليس مطابقياً, لأن نواياهم  لا يمكن أن تحمل على الصحة.

المستوى الخامس عشر: البلاء الدنيوي, فإن أغلب حالاته أنه موجب للهداية والتفات الفرد إلى أفكار مهمة ونافعة (كما قلنا في المستوى السابق).

س3: أيختلف هذا المستوى عن سابقه (كما يرد إلى الذهن)؟

ج : نعم, فاختلاف هذا المستوى عن سابقه: أنه قد يتداخل معه فيما إذا كان أعداء الله هم سبب البلاء. وقد يختلفان فيما إذا كان البلاء وارداً بسبب آخر, كالمرض والفقر.

المستوى السادس عشر: المربي أو الأستاذ أو الشيخ, في تربية الفرد وإيصاله إلى كماله الذي يستحقه.

س4: من جهة الآمر والناهي هل هنالك مستويات أخرى غير التي مر ذكرها؟ وهل يختلف المأمور والمنهي باختلاف مضمون الأمر؟

ج : ذكرنا ستة عشر مورداً نستطيع أن نقول فيها أخلاقياً: أنها مصاديق وتطبيقات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن الواضح   عندئذ إن المأمور بالمعروف يختلف باختلاف هذه الموارد.فلكل آمر مأمور لا محالة.كما أن مضمون الأمر يختلف أيضاً,فقد يكون الهداية أو لحكم شرعي أو لحقيقة اجتماعية أو قرآنية أو عقائدية أو غبر ذلك.

س5: الأمر والنهي هل يكون متعلقهما دائماً معروفاً وحقاً؟

ج : اعلم؛ أنه كما يمكن أن يكون المتعلق معروفاً وحقاً، فكذلك يمكن أن يكون متعلقهما منكراً أو باطلاً.

س6: على هذا فماذا يكون ؟

ج : يكون من الامر بالمنكر والنهي عن المعروف وقد وردت في بعض روايات الملاحم والفتن في أوصاف آخر الزمان (إنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، بل يصبح المعروف عندهم منكراً والمنكر معروفاً).

س7: في هذا النوع من الأمر أيكون الآمر ملتفتاً إلى أن ما يأمر منكر وما ينهى عنه معروفاً ؟

ج : اعلم؛ أنه لا يتعين أن الآمر يكون بالمنكر ملتفاً إلى نتيجة كلامه (أي إلى كونه منكراً) بل لعله يراه حقاً. كما لم يكن يتعين في الآمر بالمعروف التفاته إلى ذلك أيضاً وكما لا يخفى على من تفهّم .

س8: أوردتم مستويات الأمر بالمعروف, فهل لكم هنا أن توردوا الأمر بالمنكر؟

ج : يمكن أن نسلسل الأمر بالمنكر في عدة فقرات:

الفقرة الأولى: الشيطان, فإنه بنص القرآن (عدو بني آدم) و (يأمر بالمنكر) و (يعد بالفقر) و (يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير).

الفقرة الثانية: النفس الأمارة بالسوء, بما فيها من شهوات ونزوات وأطماع دنيوية ورخيصة فإنها تأمر صاحبها بذلك, وتنهاه عما ينافي ذلك, وإن كان حقاً صحيحاً.

الفقرة الثالثة: النفس اللّوامة, وهذا مما لم أسمع من يقول به, ولكن كونها كذلك (أي آمرة بالمنكر) فلتسويف الفرد وتهوين عمل السوء, وإبقاء الفرد في تردد بين المعاصي, مادام هناك من يرفع عنه ثقل الرزية وإيجاد العذر لعمله السيئ. وقد تمت الإشارة إلى هذا المعنى في مفصلاً في ما مضى من الكتب.

الفقرة الرابعة: العقل حين يكون ضالاًَ منحرفاً. أو قل: عبداً للنفس الأمارة بالسوء, أو مطمئناً للنفس اللوامة. فيأتمر لأمرها وينتهي طبقاً لنهيها.

الفقرة الخامسة:حب الدنيا, بصفته مؤيداً لكل تلك المواقف السابقة الذكر.

الفقرة السادسة: كل من أمرك بفعل سيء أو نهاك عن حسن, سواء علم بهذا الواقع أم لا.

الفقرة السابعة: كل من أمرك بفعل بما يضرك في الدنيا أو في الآخرة: سواء علم بهذا الواقع أم لا. إذ قد تكون نيته حسنه من أجل نفعك, ولكن تؤول النتيجة إلى السوء.

إلى غير ذلك مما قد نعتبره أو نلتفت إليه من الوجوه. ولكل آمر مأمور كما سبق أن التفتنا إليه فيما سبق.

س9: إذن هناك آمرين بالمعروف وآمرين بالمنكر. فأي الفريقان له الغلبة والكثرة؟

ج : اعلم؛ أننا ينبغي أن ننتبه إلى أن الآمرين بالمعروف أكثر عدداً وغلبة من الآمرين بالمنكر بكثير. كما أنهم أقوى تأثيراً في الكون عامة, وإن كان التأثير الآخر أقوى اجتماعيا واقتصادياً في المجتمع البشري.

س10: وكيف نعلل ذلك؟

ج : أقول: إن قوى الخير أقوى أوسع بكثير في الكون من قوى الشر. غير أن قوى الشر أقوى وأوسع في المجتمع البشري المنظور.

س11: طبقاً لما ذكر, يتبين أن هناك مستويات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهل يمكن تسليط الضوء على هذه المستويات إن وجدت؟

ج: إننا ينبغي أن ننظر إلى تلك المستويات التي تبين مما سبق. فإنها تنقسم إلى عدة مستويات:

المستوى الأول: انقسامها إلى القلب واللسان واليد والسلاح.

المستوى الثاني: انقسامها إلى الفعل والترك والمستحب والواجب ونحوها.

المستوى الثالث: انقسامها إلى العالم الذي يقع فيه, هل هو عالم النفس, أو عالم القلب, أو عالم العقل, أو عالم الروح, أو عالم الدنيا المنظورة.

ومن الناحية النظرية يمكن ضرب هذه الانقسامات بعضها ببعض, فإذا رجحنا أن أقسام كل واحد منها أربعة, كان (4×4×4=64) قسماً.

س12: أيمكن إيراد ذكر هذه الأقسام الأربعة والستون؟

ج : اعلم؛ أنه يمكن النقاش في هذه النتيجة, من حيث عدم الحاجة إلى كل الأقسام. فعالم الروح مثلاً لا يحتاج إلى سلاح, وكذلك لا نحتاج فيه إلى النهي عن المحرمات أو ترك الواجبات, إلاّ مع إمكان فهم هذه الأمور على مستويات أعلى. وهذا مما لا مصلحة في التعرض لذكره في هذا الوقت وضمن هذه الأوراق.

س13: على ذلك, أيمكن الإشارة إلى الأهم من تلك الأقسام؟

ج : نعم, بإمكاننا الإشارة إلى ما هو المهم مما تبقى من الأقسام, بدون أن يكوي القصد هو الاستيعاب. وكما يلي:

القسم الأول: ما يقع من الأمر والنهي والتوجيه والتعليم في هذا العالم المنظور, بغض النظر عن مضمون الأمر والآمر والمأمور.

س14: نرى بأن هذا القسم هو القسم الأوحد الذي لا يوجد غيره, وأن جميع الأوامر والنواهي إنما تقع في هذه الدنيا. ولعل رؤيتنا هذه هي كذلك وإن لم نكن قد تعرفنا على الأقسام الأخرى؟!

ج : الأمر ليس كذلك بالتدقيق, بل سنرى معاً أن هذا القسم ليس له وجود, لكونه مندرجاً في جملة الأقسام الآتية. ولن يكون له وجود إلاّ في نظر الماديين الذين ينكرون النفس والروح, ولن يستطيعوا أن ينكروا العقل والتفكير. ويكفي أن نلتفت هنا إلى ثلاثة أمور, هي:

الأمر الأول: إن جملة من الأوامر التي نؤمن بوجودها بصورة أكيدة إنما تحدث في غير هذا العالم. كما لو أمر الله عز وجل جبرائيل (ع), أو أمر ملك الموت أتباعه في قبض بعض الأرواح, كما جاء في القرآن الكريم قول تعالى: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ}.

الأمر الثاني: إن الأمر المسموع وإن كان حاصلاً في هذا العالم إلاّ أننا ينبغي أن نرى كونه متوجهاً إلى أي عالم, فإنه ليس متوجهاً إلى (المادة الصّماء) بل إلى النفس والعقل, وهو المُخاطب بالكلام عموماً، والأمر والنهي خصوصاً, وهو من عالم آخر غير عالم المادة.

إذن فكل ما حصل من أمر ونهي يكون المخاطب خارجاً عن هذا العالم, وإن كان صاحبه موجوداً فيه فعلاً, مضافاً إلى أمر آخر نذكره في (الأمر الثالث) الآتي.

الأمر الثالث: إن الأمر والنهي لا محالة يُراد به سد نقص حاصل للإنسان, إذن بدون وجود النقص لا معنى للتوجيه ولا للأمر والنهي. وهذا النقص موجود في جزء من كيان الفرد, إما في جسمه, أو نفسه, أو في عقله, أو في روحه.

س15: إذن فهل يمكن ذكر تلك النقائص وإيراد الأمر لكل منها؟

ج : ليكن ذلك, وكما يلي:

أولاً: النقص الجسمي, وهو لا يحتاج إلى بيان. ويكون موكولاً إلى الطبيب (المختص لمعالجة أعضاء الجسم) يأمر فيه وينهي.

ثانياً: النقص العقلي (الثقافي), ويكون موكولاً إلى الموجه أو المربي.

ثالثاً: النقص النفسي (وهو ما يسمى بالرذائل), ويكون موكولاً إلى نحو آخر من التوجيه الذي يكون موجباً لسد ذلك النقص, كالطبيب النفسي (أحياناً), أو شكل من أشكال الأوراد والعزائم.

رابعاً: النقص الروحي, وهو يحصل في المراتب العليا من التكامل, ويكون موكولاً إلى المربي الروحي أوالشيخ الموجه نحو التكامل المعنوي.

س16: في كل تلك التوجيهات لم نجد من هو متوجه أو مهتم بالمادة إلاّ (الطب الاعتيادي) الذي يهتم بأعضاء الجسد. فهل هذا النوع من التوجيه يكون مادياً, حاله حال النقص المادي. وبتعبير آخر: إن النقص هو نقص مادي, فهل يكون التوجيه مادياً أيضاً؟

ج : اعلم؛ أنه في نفس الوقت الذي يكون فيه هذا التوجيه موجهاً إلى النقص المادي, لكن الطبيب إنما يتكلم مع المريض لا مع النقص ونوعه (أي مع إحساسه وشعوره وعقله لا مع جسده) مضافاً إلى أن المريض نفسه إنما يطلب التداوي لأجل النقص الذي يجده في نفسه, لا النقص الموجود في جسده, لأنه إنما ينفر من الألم والضيق. فلو كان النقص الجسدي موجباً للفرح والاستبشار لمَا ركض وراء الطبيب, وكذلك لو وجد مصلحة معتد بها في مرضه, وإن كان هذا نادراً, ولا يشعر به أو يطلبه إلاّ الأندر على أي حال. فإنما يركض الفرد تجاه الطب والأطباء لدفع ألمه النفسي وانزعاجه, لا لألمه الجسدي.

إذن فهذا القسم مندرج في الأقسام الآتية الذكر, ولا يمكن أن يقوم وحده, وما قلناه في هذا القسم وجوده ضمني. أما وجوده في الأقسام الباقية فوجوده ضروري.

القسم الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاعتياديان, سواء كان ذلك بالقلب والذي ورد أنه (أقل الإيمان) أو باللسان أو باليد.

س17: ما جهة الفرق بين الأمر والنهي القلبيان وبين قسيميه (اللسان واليد)؟

ج : الفرق يكون في عدة جهات نذكرها فيما يلي:

الجهة الأولى: كون الجهة القلبية ما لم تبين باللسان لا تكون معروفة للآخرين. ومن هنا يمكن القول بأن: هذا الأمر خالٍ من المأمور, لأن المأمور لا يمكن أن يتعرف عليه. أو قل: هو حقيقية أمر ونهي (مجازيان).

الجهة الثانية: إنه ناتج من عدم وجود المصلحة للإظهار والبيان, وفي الأغلب من (وجود المفسدة فيه) كظروف التقية والسر والحرج. وبالتالي فالبيان يحتاج إلى شجاعة غير متوفرة لدى الفرد أحياناً. ومن هنا يقتصر على الشعور القلبي.

الجهة الثالثة:إن الجهة القلبية ضرورية الثبوت مع الإيمان وملازمة له, لوضوح أنه مع عدم استنكار المحرم أو ترك الواجب قلبياً لا يكون الإيمان ثابتاً إطلاقاً.

القسم الثالث: الوحي النازل على نبي الإسلام (ع) قرآناً وغيره, والذي كان يعتبره من زاده في حياته وموجهه الرئيسي, وكان يحزن لتأخره وانقطاعه إلى حد روي أنه حاول أن يلقي بنفسه من الجبل لانقطاع الوحي عنه أربعين يوماً.

القسم الرابع: الإلهام الوارد إلى الأنبياء والمعصومين (ع) والأولياء الكاملين, وهو أيضاً زادهم في حياتهم وموجههم الرئيسي, وقد وردت في ذلك عدة مضامين من الروايات من (أن الإمام يزداد في كل ليلة قدر وفي كل ليلة جمعة) وغير ذلك.

القسم الخامس: تربية المعصومين (ع) للمجتمع المسلم من النواحي التشريعية والتربوية والأخلاقية والثقافية. وقد قاموا بذلك ضمن تضحيات جلّى ومصاعب كبرى حتى أدت بهم إلى الشهادة.

القسم السادس: التربية والتوجيه لكل أبوين بالنسبة إلى أولادهم (ذكوراً وإناثاً), ومن الواضح أنه من الواجب على كل أبوين أن يقوما بتربية أولادهم تربية صالحة. ولن يستطيعا أن يرفعا من مستوى أولادهما أكثر من مستواهما ما لم يوفق الله تعالى البعض منهم إلى موجه أو معلم آخر.

القسم السابع: التربية والتوجيه العلمي أو العقلي من قبل أي مدرس إلى طلابه. وهو عادة يختص بمادة معينة. (وكما قلنا في الأبوين) لن يستطيع هذا المربي أن يرفع موجهه إلى ما هو أعلى من درجته, ولا يمكن ذلك لأي أحد, لأن (فاقد الشئ لا يعطيه). فيحتاج الطالب إذا أراد الخطوة العلمية التالية أن يبدل أستاذه ويتصل بمن هو أعلى منه. 

القسم الثامن: المربي في اتجاه التكامل الروحي, وهو أيضاً لا يستطيع أن يتجاوز بالطالب أكثر من مستواه الذي هو فيه.

س18: ما الفرق بين التربية تجاه التكامل الروحي وبين التربية والتوجيه العلمي العقلي؟

ج : يمكن بيان نقاط الاختلاف في الأمور التالية:

الأمر الأول: إن الدراسة في ذلك القسم (اعني به القسم السابع) بعلم معين أو حقل واحد من حقول الطبيعة أو المعرفة. أما هذا القسم ( الثامن) فهو شامل للكيان الروحي والنفسي كله.

الأمر الثاني: إن هذا القسم هو قسم عملي وليس نظري, شأنه في ذلك شأن الصناعات اليدوية  بالنسبة إلى العلوم النظرية. فإذا لم يفعل الطالب شيئاً لم يتقدم في مدارج الكمال.

الأمر الثالث: إن القسم السابق يخاطب العقل, أو قل: هو عبارة عن العلوم العقلية. في حين أن هذا القسم يخاطب الكيان المعنوي للإنسان ككل (جسماً ونفساً وقلباً وعقلاً وروحاً).

الأمر الرابع: إن القسم السابق يوجب تكامل جانب واحد من الإنسان, وهو (الثقافة العقلية). في حين أن هذا القسم (مع حسن التوفيق فيه) فهو موجب لتكامل كل الذات.

الأمر الخامس: إن الهدف من القسم السابق محدد, وهو: معرفة واستيعاب علم محدد, ونحو ذلك. في حين أن الهدف في هذا القسم غير محدد, بل في صعود مستمر دائماً. وذلك لأن الكمال حقيقةً لا نهائي, فهو مستمر في درجات الرحمة الإلهية بلا انقطاع.

الأمر السادس: إن ما يستطيع أن يناله الفرد في القسم السابق هو من (الرحمة العامة) الموزعة بين كل الخلق, وإنما ينالها الفرد بمقدماتها العقلية. وما يستطيع أن يناله الفرد في العمل من القسم فهو من (الرحمة الخاصة) التي لا تنال عادة إلاّ من المتكاملين من الناس.

س19: ما هي أهم التطبيقات الأخلاقية لشرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

ج : شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بـ(معناهما الأوسع) ينبغي انطباقها على كل مستوى من مستويات التوجيه والتعليم لا على المستوى الأخلاقي فقط. فقد ذكر الفقهاء عدة شرائط لهذه الوظيفة, وكما يلي:

الشرط الأول: معرفة المنكر والمعروف ولو إجمالاً , فلا يجبان (أي الأمر والنهي) على الجاهل بالمعروف أو الجاهل بالمنكر.

س20: وما صفة هذا الجهل من جهة الآمر والمأمور والمأمور به, أو الناهي والمنهي والمنهي عنه؟

ج : اعلم؛ أن هذا الجهل إما أن يكون متعلقاًبـ(الكبرى) أو بـ(الصغرى) كما عليه لغة المناطقة. وبتعبير آخر: إما أن يتعلق بالآمر وإما أن يتعلق بالمأمور. فكلاهما في الحقيقة شرط مستقل بذاته. ومن الخطأ دمجهما في شرط واحد.

س21: ما جهة تعلقه بالمأمور؟

ج : هذا التعلق هو الذي يقصده الفقهاء, بأن يعلم الآمر أن الفعل الذي يراه أمامه محرم فينهي عنه. وأما إذا احتمل كونه جائزاً لم يكن مورد النهي متحققاً. وهذا معنى شامل لكل العلوم العقلية والروحية معاً. ويمكن أن نعبر عنه بإمكان التأثير فيه من حيث التعليم والتربية.

وإما إذا لم يكن من المحتمل تأثير التعليم فيه, فلا مجال لتعليمه, سواء كان من الناحية العقلية أو الروحية. وذلك على أحد قسمين, هما:

القسم الأول: أن يكون الفرد قاصراً عن التربية بالمرة, كما لو كان قاصر العقل أو سفيهاً. ومن الناحيةالأخلاقية يص

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

(حقيقة الصلاة) القسم الثاني

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 4 آذار 2006 الساعة: 16:13 م

س59: ماهي فلسفة ذلك ؟

ج : اعلم؛ أن إنموذج تلك المقامات هو: أن الإنسان الكامل هو مراتب الإسم الجامع والمربوب للإسم الأعظم، فيمكن له أن يكون جامعاً لجميع التجليات الأسمائية جمعاً وفرقاً.

فبطريق الفرق تكون للأسماء الإلهية الكلية وهي (ألف إسم) تجلٍ على قلبه جمعاً، فيمكن أن يكون لكل من الأسماء مزدوجاً بأسم أو بأسمين أو أسماء ثلاث، وهكذا إلى آخر الأسماء.

وكذلك المراتب المتصورة للتركيبات الإسمية لهذه الأسماء الألف الكلية على حسب الترتيب، تجلٍ على قلبه.

وأيضاً إن قلب الإنسان الذي هو قابل لهذه التجليات، هو بنفسه مَظهراً لجميع الأسماء، وبالطريق الكلي مَظهراً لألف إسم، فتختلف التجليات له بإعتبار مظهريته لكل من الأسماء جمعاً وتفريقاً، وفي مراتب الجمع على الترتيب الذي ذكرناه.

ولا بدّ أن يقال لمثل هذا العدد: إنه خارج عن مجال الإحصاء: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} والحديث المروي عن المير المؤمنين عليه السلام: {علمني رسول الله صلى الله عليه وآله عند وفاته ألف باب من العلم، ينفتح من كل باب ألف باب} لعله أشار إلى التجليات الفرقية.

وثالثهما: حضور القلب بالتجليات الذاتية، وهو يلي التجليات الإسمية، وهي آخر مرتبة القلب في المعبود، ولها مراتب عديدة، وحيث إننا محجوبون عن أكثرها إقتصرنا على ذكرها مجملاً.

س60: هل يمكن بيان المؤثرات الأولية لحضور القلب؟

ج : الأفضل والأهم في ذلك: أن يكون الفرد بصدد معالجة النفس، وإذا كانت يده قاصرة عن الوصول إلى نيل جميع مراتب الحضور، فلا أقل أن يصرف همته في تحصيل بعض مراتبه.

وليعلم؛ إن منشأ حضور القلب في أي عمل من الأعمال وسبب إقبال النفس عليه وتوجهها إليه، أن يتلقى القلب ذلك العمل بالعظمة ويعدّه من المهمات، هذا وإن كان واضحاً ولكنه يكون أوضح بذكر مثالاً له:

إذا أجاز لك السلطان الحضور في محضره العظيم، وجعلك مورداً للتوجه والتلطف بحضرة الجميع، فحيث إن هذا المقام عظيم في قلبك، ويتلقاه القلب بالعظمة والأهمية. فلهذا يحضر قلبك بتمامه في ذلك المحضر ويحافض على جميع خصوصيات المجلس ومخاطبات السلطان وحركاته وسكناته، ويكون قلبك حاضراً في المحضر في جميع الأحوال ولا يغفل عنه ولو للحظة.

وعلى خلاف ذلك إذا كان المخاطب غير مهم، ويراه القلب تافهاً، فلا يحصل لك حضور القلب في المكالمة معه، وتكون غافلاً عن حالاته وأحواله.

ومن هنا يُعلم السبب في عدم حضور قلوبنا في العبادات وغفلتها عنها، فنحن لو أهمّتنا المناجاة للحق تعالى ومناجات ولي نعمنا بمقدار ماتهمنا المكالمة مع مخلوق عادي ضعيف لما حصل لنا هذا القدر من النسيان والغفلة والسهو.

ومن المعلوم جداً إن هذا التساهل والتسامح ناشئ من ضعف الإيمان بالله تعالى وبالرسول وبأخبار أهل البيت، بل هذه المساهلة ناشئة من التساهل بالمحضر الربوبي ومقام القدس للحق تعالى.

فلو علم الفرد العواقب والمعايب لهذا التساهل وراح ينبه القلب بذلك فإنه سيكون في صدد الإصلاح لا محالة، ويعالج نفسه البَّته.

س61: نود فهم كيفية التوصل إلى إفهام القلب وتنبيهه؟

ج : من الواضح أن الفرد إذا لم يتلقَ أمراً بالأهمية والعظمة، فسينجر الأمر بالتدريج إلى تركه. وترك الأعمال الدينية يوصل إلى ترك الدين.

كما أن الإنسان إذا أفهم القلب أهمية العبادات والمناسك، إنصرف عن هذه الغفلة والتساهل، وينتبه عن هذا النوم الثقيل. فإذا تفكر الفرد قليلاً في حالاته وراجع أخبار أهل بيت العصمة وشمر ذيل الهمة عن ساقيه، وفَهَّم النفس بالتفكر والتدبر، أن هذه المناسك وخصوصاً الصلاة وبالأخص الفرائض منها، سبباً للسعادة والحياة في العالم الذي يسعى إليه، والذي جعله الحق للخُلَص من عباده، ومنبع الكمالات ورأس مال الحياة. كل ذلك لا يكون إلاّ في ذلك المستوى.

وبحسب الروايات والبراهين ومشاهدة أصحاب الكشف والعيان: إن لكلٍ من العبادات المقبولة صوراً غيبية بهية، وتمثالاً ملكوتياً يصاحب الإنسان ويرافقه في جميع النشئآة الغيبية، ويساعده في جميع الشدائد، يجعله متين الأساس الذي ستبتنى عليه باقي الكمالات.

وكل ذلك تابع لحضور القلب وإقباله في جميع الأحوال التي تَمُر على الفرد (سواء العبادية منها أو الإجتماعية) والعبادة التي لا يؤتى بها بتوجه من القلب وإقبابه ساقطة عن عين الإعتبار، وغير مقبولة لجناب الحق جلّ وعَلا.

س62: هل يمكن إتحافنا ببعض النصوص المؤيدة لهذا القول؟

ج : نذكر بعض الآيات والأحاديث وستكون وافية إن شاء الله في هذا المقام لمن الْقى السمع وهو شهيد:

قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} وقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} نكتفي بهاتين الآيتين المباركتين من القرآن الكريم.

 وأما من السنة الشريفة فنذكرما يلي:

فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {إعبد الله كأنك تراه فأن لم تكن تراه فإنه يراك}. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: {إن من الصلآة لما يقبـل نصفها وثلثها وربعها وخمسها (إلى العشر) وإن منها لما لفَّ

كما يُلف الثوب فيُضربُ بها وجه صاحبها. وليس لك من صلاتك إلاّ ما اقبلت عليه بقلبك}. وعن باقر العلوم عليه السلام, قال رسول الله صلى الله عليه وآله: {إذا قام العبد المؤمن في صلاته نظر الله إليه (أو قال: أقبل الله عليه) حتى ينصرف، وأظلته الرحمة من فوق رأسه، يقول: أيها المصلي! لو تعلم من ينظر إليك ومن تناجي ما إلْتَفت ولآزِلتَ من موضعك أبداً}.

فأهل المعرفة يكفيهم هذا الحديث الشريف. فما في إقبال الحق هذا إلى العبد من الكرامات والأنوار ما يعلمه غير الله، ولا تستقيم له عقول البشر، ولا يخطر على بال أحد.

وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام: {إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: طوبى لِمَن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينسى ذكر الله بما تسمع اُذُناه، ولم يحزن بما اُعطِيَ غيره}.

وعن الصادق عليه السلام في قول الله عزوجل: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} قال: {السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه} قال: {وكل قلب فيه شك أوشرك فهو ساقط، وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة}.

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: {كان علي إبن الحسين عليه السلام إذا قام الى الصلاة تغير لونه، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يَرْفَض عرقاً، وكان عليه السلام إذا قام في الصلاة كأنه ساق شجرة لايتحرك إلاّ ما حركت الريح منه}.

وعن أبي حمزة الثمالي رضوان الله عليه قال: رأيت علي بن الحسين عليه السلام يصلي فسقط ردائه عن منكبه فلم يُسَوِه حتى فرغ من الصلاة ، فسألته عن ذلك فقال: {ويحك أتدري بين يديّ من كنت، إن العبد لاتقبل منه صلاة إلاّما أقبل فيها} فقلت: جُعِلت فداك هلكنا! فقال: {كلا إن الله متمم ذلك للمؤمنين بالنوافل}.

س63: عرفنا إن حضور القلب يؤدي إلى كمال العبادة، فكيف كان للقلب كل هذا التأثير؟

ج : إعلم؛ أن لكل عبادة أثراً يحصل في القلب، قد عُبر عنه في بعض الروايات (بزيادة النقطة البيضاء أو توسعها). ولا بدّ أن يُعلم : إن بين ظاهر الإنسان وباطنه وبين سره وعلنه ربطاً و علاقة طبيعية، بحيث تكون لآثار كل أفعاله وحركاته سراية عظيمة في الآخرة.

وهذا المطلب مضافاً إلى أنه مطلب برهاني، فالوجدان والعيان أيضاً شاهدان عليه. فإن حالات صحة البدن ومرضه والعوارض المزاجية والحالات الداخلية والخارجية مؤثرة في الروح، وكذلك العكس، فإن الحالات الخلقية والروحية والملكات النفسية مؤثرة في الحركات والسكنات والأفعال البدنية طبعاً (أي بطبيعتها) ومن غير رَوية.

س64: ما الذي يستنتج من هذا؟

ج : نستنتج من ذلك: إن لكل عمل (سواء خيراً أم شراً) تاثيراً في النفس، إما أن يوجهها إلى عالم  الدنيا وزخارفها، ويحجبها عن الحق والحقيقة، ويدنيها إلى مراتب الحيوان والشياطين. أو يوجهها إلى العوالم الأسمى، ويجعل القلب إلهياً، ويكشف له حجب الظلمة والنور، ويجعلها مرتقية إلى مراتب الروح ومُقَرَبّي الحضرة.

وهذه الأفعال العبادية والمناسك الإلهية مضافاً إلى أن بها صوراً غيبية بهية ملكوتية تشكل الجنة الجسمانية، كذلك توجد في الروح أيضاً ملكات وحالات تكون مبدءاً للجنة المتوسطة والجنات الأسمائية.

وهذا من أسرار تكرار الأذكار والأعمال، لأن الّلسان إذا كرر ذكر الله ينفتح بالتدريج لسان القلب، فيكون القلب أيضاً ذاكراً، كما إنه من ذكر القلب ينفتح الّلسان أيضاً ويكون ذاكراً.

س65: هل تتحصل هذه النتائج العظيمة دون إعتبار حضور القلب أم لا؟

ج : تلك النتائج لا تحصل من العبادات ولا تنتج فيها إلاّ إذا كان القلب حاضراً وقت العبادة والدعاء والذكر خصوصاً، وسائر الأعمال والأقوال عمومـا، ولا يكون للأعمال تأثيراً في الروح بوجـه، إذا

كانت مع غفلة ونسيان القلب.

ولهذا نرى إن عباداتنا طوال هذه السنين لم تؤثر في قلوبنا أثراً ولا تزيد كمالاً لأرواحنا، بل تزيد ملكاتنا الفاسدة كل يوم. وهذه الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي معراج المؤمن وقربان كل تقي، لم توصلنا إلى مقام ولم تحصل لنا مرتبة من مراتب الصفاء، وكل هذا بسبب تقييد هذه العبادة بأفكارنا وأوهامنا، فصرنا نحن المؤثرين وهي المتأثرة لا العكس.

س66: ذكرتم فيما سبق تأثير اللسان على القلب وبالعكس، فما هو الملاك في ذلك؟

ج : سنوضح ذلك بما يلي:

إن الفرد في حال الذكر لا بدّ أن يكون كمن يُمَرِن طفل على التكلم ويُلقنه ليتكلم، فكذلك على الفرد أن يُلقن القلب الذكر، وما دام الفرد ذاكراً باللسان ومشغول بتعليم القلب فظاهره يساعد باطنه.

فإذا إنفتح لسان القلب فسيساعد اللسان بالذكر، فيكون الباطن مساعداً للظاهر. كما أن تلقين الطفل أيضاً كذلك, فما دام يلقنه بالكلام فهو يساعده، وإذا أجرى الطفل ذلك الكلام على لسانه فيدب في الفرد نشاط يُذهب بالتعب السابق ويحفز على بذل جهد أكبر.

وإذا واظب الفرد في الصلاة والأذكار والأدعية على هذا الترتيب مُدة فإن النفس تعتاد على ذلك، وتكون الأعمال العبادية كالأعمال الإعتيادية لها لا تحتاج لحضور القلب فيها إلى إعمال الرَوية، بل تكون مثل الاُمور الطبيعية البسيطة المعتادة.

س67: ما هي العوامل التي تعين الفرد على حضور القلب؟

ج : هي في الصلاة أمور كثيرة، بل في مطلق العبادات، وعلى طريق الإجمال نذكر منها مايلي:

أولاً: أن يقوم الفرد بقطع الشواغل الداخلية والخارجية، التي أهمهاالشواغل القلبية. والسبب الرئيسي للشواغل القلبية منحصرة في حب الدنيا كما ورد: {حب الدنيا رأس كل خطيئة}.

فإذا كان هم الفرد تحصيل الدنيا والوصول إلى زخارفها فيتوجه القلب بالفطرة إليها، وتكون هي الشغل الشاغل له، فإذا إنصرف عن بعض الأمور الدنيوية يكون التوجه إلى الأخرى.

وفي هذه الحال يكون مثل القلب كالطائر يطير على الدوام حول الشجرة من غصن إلى غصن، فما دامت شجرة الأمل للدنيـا وحبها قائمـة في القلب على ساقهـا فالطائر (القلب) متعلق على أغصانها.

فإذا قُطِعَت أغصان هذه الشجرة واحداً بعد واحد بالرياضات والمجاهدات والتفكر في عواقب الدنيا ومعايبها والتدبر في الآيات والأخبار وحالات أولياء الله ومن ثم السير العملي لتحقيق ذلك، يسكن القلب ويكون مطمئناً ويمكن أن يوفق للكمالات النفسانية التي من جملتها حضورالقلب بجميع مراتبه. وإلاّ فبمقدار ما يبقى من الأغصان يبقى القلب متردداً بينها.

وهذا الأمر ممكن إلى حدٍّ مّا، بالإقدام عليه وصرف الهمة إليه. وإلاّ فترك الدنيا بالكلية لا يتأتى لكل أحد، إلاّ للرجال الآحاد، وهم أندر من الكبريت الأحمر، وخصوصاً في هذا العصر.

على كل حال، تقليل التعلق والإنشغال وإسقاط الأغصان ممكن جداً لمن أراد، بل يمكن القول: إنه وفي هذا الزمن أمرمتيسر. ولكن مَنْ يختارالطريق؟!

س68: لولا الدنيا لما أمكن العمل للآخرة، فكيف نوفق بين هذا الأساس وبين الحث على ترك الدنيا؟

ج : ما ذُمَّ على لسان الأولياء ليس هي الدنيا بنفسها، أو قل: عالم الشهادة. وإنما هو التعلق بالأمور الدانية وطول الأمل المبعدة عن الحق.

وإلاّ فالأصل إن الدنيا جيدة جداً وخير محض إن كانت موصلة للآخرة، إذ هي مَهد تربية الأولياء والعرفاء والعلماء بالله، ودار تكميل النفوس القدسية البشرية ومزرعة الآخرة، ومنزلها من أشرف المنازل للأولياء والحكماء.

س69: هل التعلق بالدنيا سبب في إقبالها؟ وكذا التعلق بالآخرة؟

ج : من المعلوم قطعاً إنه ليس للعلاقة دخل في إقبال الدنيا أو الآخرة وحصولها للفرد. فرُب ذوي علاقة بالدنيا وهم فقراء لم يكن لهم من الدنيا سوى فسادها ونكباتها، وأشخاص بلا علاقة وهم ملوك، قد جمعوا بين الإثنين ونالوا سعادة الدارين. كما أشار إلى ذلك المعنى الإمام زين العابدين عليه السلام بقوله: {الدنيا دنياوان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة}.

س70 : ماهي أشد الأمور تأثيراً على الفرد في إبعاده عن طريق الكمال؟

ج : هي أمور كثيرة منبعثة عن شيئين:

أحدهما: الشيطان، القاطع لطريق الوصول، يصرف الفرد عن الحق ويحرمه لذة المناجاة ويسود القلب ويكدره.

الآخر: حب الدنيا (كما عرفت) فهي الأساس في كل الشرور، حيث ورد: {حب الدنيا رأس كل خطيئة}.

ثانياً: إن الفرد بعد ما قلل الشواغل القلبية فلا بدّ له أن يقلل الشواغل الخارجية أيضاً، بالمقدار الممكن، ولعل أكثر الآداب الشرعية إنما وجدت لأجل هذه الفائدة، كالنهي عن الألتفات إلى الأطراف واللعب بالأصابع واللحية وفرقعة الأصابع ومدافعة الأخبثين والريح ومدافعة النوم، والنظر إلى نقش الخاتم وإلى المصحف والكتاب، والإستماع للكلام الخارجي، وحديث النفس، وسائر الآداب المكروهة التي ذكرت في آداب الصلاة.

والضعيف الذي يتفرق فكره في الشواغل فعلاجه: قطع أسباب تلك الشواغل، بأن يغض بصره، أو يصلي في بيت مضلم، أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه، أو يقترب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره، ويحترزمن الصلاة في المواضع الكثيرة الشواخص أو الكثيرة النقوش المفروشة المزينة. حيث كان بعض العُبّاد يتعبدون في مكان صغير مظلم سعته بقدر ما يمكن الصلاة فيه لتقليل الشواغل الخارجية.

س71: هل ما ذكرتم شامل لجميع الصلوات؟

ج : إن هذه الصفات المذكورة لا ينبغي أن تؤخذ بالعموم على جميع الصلوات. فمثلاً: الصلاة في بيت مضلم لا يكون في الفرائض اليومية، وذلك لأن الإتيان بها جماعةً من السِنَن المؤكدة، بل الفرد إذا قام بوظائف الجماعة وأسرارها فقد أرغم الشيطان إرغاما لا يتمكن منه في أي عبادة, وإن في إجتماع المؤمنين وإجتماع قلوبهم التي هي اليد  الغيبية الإلهية, معها فوائد روحية ومعنوية قَلَمَا تتفق في عمل آخر، مظافاً إلى المصالح العامة والإجتماعية التي تتوافق معها، بل الأفضل لأهل المناجاة وأصحاب القلوب الصلاة بالجماعة، حيث أن حفظ أعداد الركعات فيها مُحَّول إلى الغير، فيوجهون قلوبهم بكليتها إلى الحق وإلى مناجاته. نعم، ما ذكر من الصفات إذا كان في غير الفرائض، وخاصة صلاة الليل أفضل وأكمل، لكون إشتغال النفس فيها يكون أقل.

س72: ما ذكرتم من الاُمور فهل تكون الخلوة ملائمة للفرد؟

ج : إعلم؛ إن بين قلوب الأفراد إختلافاً وتفاوت، بإختلاف أحوال كل منها، بحسب الأحوال والأوقات، فلا بدّ للفرد أن يحافظ على قلبه, كطبيب معالج وممرض شفيق، وأن يدقق في أحواله فإذا كانت الخلوة مناسبة لأحواله، يأتي بالعمل في الخلوة، وإن كان الإشتغال بالشواغل في الخلوة أكثر يقوم بالعبادة دونها.

الفصل الرابع

سر الطهارة

 

س73: وفق ما مرّ من الأجوبة عرفنا إن ما من شئ إلاّ وله عدة وجوه من المعاني أو المراتب. فما مراتب الطهارة؟

ج : لا يخلو شئ (أي شئ) من مراتب، كثرت أو قلّت، فكذا الطهارة أيظاً لها مراتب منها:

أولاً: الطهارة للصلاة الصورية وصورة الصلاة، فلها الطهارة الصورية ، وصورتها بالماء المطلق الذي هو سر الحياة، وبالصعيد الذي هو منتهى التجليات لأهل المعرفة.

ثانياً: طهارة أهل الإيمان، وهي طهارة الظاهر من أرجاس المعاصي ومن إطلاق الشهوة والغضب.

ثالثاً: طهارة أهل الباطن، وهي التنزيه عن القذارات المعنوية والتطهير عن كثافات الأخلاق ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي