زكاة النفس

كتبهاالشيخ مهدي يونس ، في 3 آذار 2006 الساعة: 21:16 م

س1: ما المعنى المراد من الزكاة؟

ج : الزكاة هي الكثرة والطيبة. وبمعنى آخر يكون ذلك (زكا الشئ أي كثر وزاد وطاب وطهر) ولا تنافي بينهما.

س2: وهل هذا المعنى ينطبق على كثرة  أو كثرة الشر؟

ج : كلا, إنما موردها منحصر بموارد الخير ولا تشمل موارد الشر.

س3: في جواب السؤال الأول قلتم: بأن الزكاة هي الكثرة والطهارة, وقد تبين انحصار الكثرة في جانب الخير, فهل يمكن الجمع بين مفهومي الكثرة والطهارة؟

ج : نعم يمكن الجمع هذين المفهومين بالقول: بأن الزكاة هي: كثرة الطيبة والطهارة أو كثرة الخير وزيادته. بمعنى أن كثرة أي شئ إنما يمثل جانب الخير في هذا الكون.

س4: على هذا, فهل يمكن أن نسمي الطيبة زكاة؟

ج : يمكننا ذلك وإن لم يكن فيها كثرة. إلاّ أن الصحيح: إن مجرد حصول الطيبة هي زيادة بالمعنى المعنوي.

س5: ورد في القرآن الكريم قول الله عز وجل: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} أي زكّا النفس. فما معنى زكاة النفس؟

ج : إن زكاة النفس هي: التسبيب إلى تحليتها بالفضائل وتخليتها من الزذائل وصلاحها من كل زيغ ورين, ومن ثمة الإتجاه بها نحو الكمالات.

س6: هل هذا القسم من الزكاة هو عينه زكاة الأعمال؟

ج : نعم هذا القسم هو: زكاة النفس وزكاة الأعمال (بالمعنى المعنوي).

س7: هل لزكاة النفس والأعمال ترابط مع التشريع؟

ج : إن كل التشريعات السماوية بصورة عامة والإسلامية بصورة خاصة إنما سُنت وطُلبت من الناس, فلأن الله سبحانه وتعالى يريد التكامل المعنوي والصعود إلى درجات المغفرة والثواب.

 واعلم بأن التشريع لا يرتبط بالله في نفع ولا ضرر, لأنه لا تضره ذنوب عباده, ولا تنفعه طاعتهم, وإنما أمرنا ونهانا لمصالحنا, ولأنه لا يريد لنا إلاّ الأفضل {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} أي لعباده كما في نص القرآن الكريم.

س8: نحن نعرف بأن التشريع ذكر (زكاة المال وزكاة الأعمال) وهي بالتأكيد ذو تأثير نفسي, أي أن دفع المال وأداء الأعمال ثقيل على النفس. فهل يمكن توضيح ذلك؟

ج : بالتأكيد؛ زكاة المال وزكاة الأعمال بصفتها أصل التشريعات المهمة في الدين فإنما شُرعت لأجل حصول زكاة النفس وتكاملها. وكذل كل أشكال الأداء المالي في سبيل الله سبحانه بصفته محتوياً للتضحية والصبر في سبيل الله وفي سبيل تنفيذ إرادته وتشريعاته.

وكذا في زكاة العمال, سواء على المستوى الواجب أو المستحب, فإنه أيضاً لأجل زكاة النفس وتكاملها وطهارتها المعنوية.

س9: نفهم من ذلك (أي من كون التشريع الظاهري ذو تأثير معنوي) فكيف يمكن فهم ذلك؟

ج : يمكن تقسيم التعاليم الدينية إلى قسمين:

الأول: إلى عبادات وغيرها, ويراد بالعبادات ما يؤثر قصد القرة في كمالها لزوماً أو استحباباً, وإلى واجبات غير عادية, أي التي تكون بغير قصد القربة.

الثاني: إنقسامها إلى ما يكون خاصاً بين العبد وربه, وإلى ما يكون شاملاً للآخرين من أفراد المجتمع. ويمكن أن نسمي الأول (الواجبات الفردية) والثاني بـ(الواجبات الاجتماعية).

وبضرب التقسيمين ببعضها ينتج أربعة أقسام:

1-         الواجبات الفردية العبادية, إما لزوماً كالصلاة والصوم, وإما استحباباً كالإعتكاف.

2-         الواجبات الفردية غير العبادية, كالتطهير بالماء.

3-          الواجبات الاجتماعية غير العبادية, كصلة الرحم.

4-    الواجبات الاجتماعية العبادية, إما لزوماً كالزكاة الواجبة والفطرة والخمس وأضرابها, وإما استحباباً كالصدقات الأخرى وقضاء حاجات المحتاجين.

س10: الواجبات الاجتماعية بكلا قسميها تحتاج إلى أفراد آخرين غير من يعطي الزكاة  والفطرة والخمس. من هم هؤلاء الأفراد وما صفتهم؟

ج : هنا نحن نشير إلى مستحقي الزكاة بنص القرآن الكريم, وهم (الفقراء والمساكين) وهم ضعاف الحال التي تكون الزكاة هي موردهم الرئيسي أو الثانوي لسد النقص.

س11: ما الفرق بين المسكين والفقير؟

ج : الفقير والمسكين هما لفظين دالان على الفقر عملياً, إلاً أن الفقير قد يكون عزيزاً وشريفاً في قومه, فهو المقصود من اللفظ الأول (الفقراء). وقد يكون الفقير ذليلاً, يعني من الطبقة المتدنية في المجتمع.

ومن المستطاع القول بأنهم كلهم فقراء فعلاً, فيكون المراد هو الإشارة إليهم في الآية الكريمة في قوله: {الْمَسَاكِينِ }.

س12: إذا فهمنا من الزكاة المعنى المعنوي فيكون من اليسير أن نفهم من الفقير والمسكين الأمر المعنوي بالتأكيد, ولكن نسأل هنا: هل وردت إشارة إلى الزكاة المعنوية في القرآن الكريم؟

ج : قد وردت مثل هذه الإشارة في عدد من آيات القرآن الكريم منها:

قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} وقال أيضاً: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم * الله يُزَكيْ مَنْ يَشَاء} وهنا ينبغي الإلماع إلى أمر مهم هو: المشهور إن الإشارة في هذه الآية الأخيرة هي على ادعاء الزكاة والصلاح للنفس قبيح. وهذا غير صحيح, إنما الصحيح: أن زكاة الفرد لنفسه دون الأخذ منه سبحانه لا يُعطي الثمرة المطلوبة, بل العمل على تزكية النفس لا بدّ أن يكون بتسديد منه عز وجل.

  س13: وهل يصلح هذا المعنى على زكاة المال وغيرها, فتكون متصفة بهذه الصفة؟

ج : لا يصلح هذا القسم من الزكاة أن يتصف بهذه الصفة ما لم ترجع إلى الزكاة المعنوية, باعتبارها معمولة بقصد سبيل الله سبحانه, وإذا أُتيت هكذا فستكون سبباً لطهارة النفس وتعميق صفة الصبر والتقوى فيها. قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} فسواء كان المراد إن الطهارة بدفع الزكاة تكون للأموال أو أنها تكون للنفوس, فإن المراد بها على أي حال هو (الطهارة المعنوية الناتجة من الزكاة).

وإن كان الأقرب للفهم إن المراد بها طهارة النفس, لكن نسبته إلى الدافع لا إلى المال بقوله: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}.

س14: هل هذا الفهم هو الذي أخذ به الراغب الأصفهاني في (المفردات) بقوله: (كل عبادة وتقرب إلى الله تعالى يوجب زكاة النفس وترقيتها في عالم الكمال)؟

ج : هو ذاك لا ريب.

س15: الآن فهمنا الزكاة المعنوية. فهل لنا التعرف على مستحقيها؟

ج : المستحق للزكاة المعنوية ذو جانب معنوي معنوي أيضاً, وقد أشير إلى هذا بقوله تعـالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. وكل ما في الأمر أن بعض الناس لا يشعر بهذه الصفة (الفقر إلى الله وحده) ولا يعيشها وجداناً. والبعض الآخر يشعر بها ويعيشها.

واعلم؛ أن هذه الصفة هي صفة واقعية بنص القرآن و (الشعور بها وجداناً نحو من الأدب أمام الله سبحانه وإلتزام بالواقع) فيكون مثل هذا الشعور مقدمة لنيل العطاء الإلهي, قال تعـالى:  {إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ  فَضْلِه} يعني أنهم إذا لم يكونوا فقراء ولم يشعروا في أنفسهم بهذه الصفة لم يكونوا مستحقين للعطاء. وبهذا يتبين معنى استحقاق الزكاة أكيداً أيضاً. هذا معنى صفة الفقر.

س16: عرفنا معنى الفقير واستحقاقى للزكاة, فما معنى المسكين؟

ج : يمكن أن نفهم هذه الصفة معنوياً (وقد قلنا بأنها فقر مع ذلة) فيكون المسكين هو (الذلة أمام الله سبحانه وتعالى)  إذ ليس للإنسان أن يقدم غير الذلة والعبودية والخضوع أمامه جل جلاله, وهذا ولضح وبين إن تفهمت!

س17: قلتم أن (الفقر والمسكنة) لله مُبتنى على استشعار أو الشعور بذلك, فكيف إذا انتفى ذلك الشعور؟

ج : هنا ينبغي أن نقسم الفقر والمسكنة إلى قسمين:

القسم الأول: صفة دنيوية وصفة أخروية, أو قل: اجتماعية ومعنوية.

القسم الثاني: صفة ثبوتية وصفة إثباتية, يعني صفة واقعية يتصف بها الفرد حقيقةً, وصفة إثباتية مُدَّعاة للفرد يشعر بها في وجدانه.

وبضرب التقسيمين تكون الأقسام أربعة:

1-         الفقر والذلة الدنيوية (من ناحية واقعية) أي اتصاف الأفراد بها, وهي التي تكون موضوعاً لاستحقاق زكاة المال وسائر الصدقات.

2-    الفقر والذلة الأخرويين أو المعنويين (من الناحية والواقعية) أي اتصاف الفرد بها, وهي أمر ثابت لكل الخليقة بغض النظر عن مراتبها وخصائصها.

3-    الشعور بالفقر والذلة الأخرويين أو المعنويين, وهما (الموضوع المتكامل للعطاء  الإلهي المعنوي) وباصطلاح المتشرعة: (عليه ثواب جزيل).

4-    الشعور بالفقر والذلة الدنيويين وإبرازهما أمام الآخرين بصدق الشكوى أو الترحم ونحو ذلك, وهذا القسم مذموم. قال تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِم ُ الذلَّةُ الْمَسْكَنَة} ويراد من الذلة هنا (الصفة الواقعية) ومن المسكنة (اظهارها للآخرين) وفي الحديث :{كَادَ الفَقْرُ أنْ يَكوْنَ كُفْرَا}.

س18: ليس كل الأفراد فقراء أو مساكين, وهذا واضح, فإذا لم يكن الفرد متصف بالفقر أو المسكنة فماذا ستكون صفته؟

ج : صفة الفقر تقابلها صفة (الغنى) كما تقابل صفة المسكنة صفة (العزة) إذاً فمن لم يكن فقيراً هو غنياً, ون لم يكن مسكيناً هو عزيزاً أكيداً.

س19: هل تلكم الصفتين (الغنى و العزة) لها مراتب أو أقسام كما للفقر والمسكنة؟

ج : نعم, فكلاهما ينقسمان أيضاً بنفس التقسيم السابق للفقر والمسكنة, فتكون بذلك أقسامها أربعة أقسام أيضاً وهي:

1-    الغنى والعزة الدنيوية (من ناحية الصفة الواقعية), ويراد هنا من الغنى الثروة, ومن العزة الأهمية والشرف في المجتمع, ولكل منهما نتائجها كما لا يخفى.

2-    الشعور بهذه الصفات الدنيوية لمن يكون متصفاً بها, وهو أمر مذموم. فمن ذمّ الشعور بالغنى قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}. ومن ذمّ الشعور بالعزة قوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ} وهو نفس التكبر والاستكبار المذموم في القرآن, لأنه قد ينتج, بل غالباً ما ينتج التكبر عن الحق والهدى, فيقع الفرد في الضلالة والعصيان, قال تعالى: {لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} وقال: {فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} وقال: { فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ} وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}.

3-    الاتصاف الواقعي بالغنى والعزة المعنويين. أما الغنى هنا فهو إما بمعنى الاستغناء عن آمال الدنيا وآلامها والإعراض عن حبها. وهي (صفة لله) لو نظرت بالمعنى الكامل, باعتباره سبحانه مستغنياً عن كل خلقه {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. وأيضاً هي (صفة للمؤمنين) باعتبار استغنائهم بالله سبحانه عن الدنيا وما فيها. وإما أن يكون الغنى بمعنى القناعة, كما ورد بمضمون أنه (إذا ظهر القائم ملأ الله قلوب أمة محمد (ص) غنى) ولم يقل جيوبهم أو بيوتهم.

وأما العزة فهي (الغنى المطلق) وهي صفة منسوبةإلى الله سبحانه وصفةً له فهو {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} و {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}.

وبمعنى أدني من ذلك هي منسوبة إلى المؤمنين, قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ}  وقال: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} يعني أن العزة الحقيقية للمؤمنين هي المستقاة من عزة الله سبحانه وليست باعتبار الأمور الدنيوية وأضرابها. وفي بعض النصوص: {فَبِعِزَّتِهِ يَعْتَزُون}.

4-    الشعور بالغنى المعنوي والعزة المعنوية, فإن كان ذلك ثابتاً كان مثل التكبر, بل هو التكبر بعينه, لا يختلف عن الاستكبار الدنيوي بشئ معتد به. (وإن كان منسوباً إلى الله سبحانه دائماً فأكرم به وأنعم).

س20: على ما تقدم, ما الذي يُفترض على الفرد ليكون بالمستوى الأحسن؟

ج : المفروض بالمؤمن (الشعور بالذلة في الدنيا) قال تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} فتنبه لذلك, إذ أن العزة في الآية المباركة باعتبار الاستغناء عن الكافرين أو باعتبار (إن التكبر على المتكبر عبادة).

 س21: تذلل الفرد أما الآخرين في الدنيا لا يتوافق مع الذلة أمام الله سبحانه وتعالى, فكيف نوفق بين هذين المفهومين؟

ج : اعلم؛ أن التذلل أمام المؤمنين وأمام ذوي الحق هو بحد ذاته تذلل لله سبحانه, قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}.

س22: إذا كان كذلك, أي محمودية التذلل في الدنيا وفق الاعتبار المذكور, فهل يكون محموداً في الآخرة؟

ج : الذلة (المعنوية) في الدنيا مطلوبة ومحمودة, أما في الآخرة فمذمومة, قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا } وأهل جهنم عموماً أذلاء مذمومون, قال تعالى: {يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً}.

س23: هل بالإمكان الوقوف على مفهوم لكل تلك الموارد تجنباً للخلط والتخبط بين المفاهيم؟

ج : نعم, فما على الفرد, أو قل: الواجب على العبد أن يقدم أمام الله الذلة والخضوع (ليتصف بالعزة) كما في الحديث القدسي: {مَنْ تَواضَعَ لِي رَفَعْته}. وكذا يمكن أن يقال: (من تذلل لله عز وجل أعزه).

والذلة لها معنى العبودية لله سبحانه, وهي بالمعنى المتكامل أفضل من النبوة والرسالة, وقد ورد أنه: {جَعَلَنيْ عَبْدَاً قَبْلَ أنْ يَجْعَلَنيْ رَسُوْلاً} كما قال تعالى: {عَبْدُهُ وَرَسُلُهُ} ومن المعروف أن المتقدم أفضل من المتأخر, وهنا قدم الله سبحانه العبودية على الرسالة, فتدبر.

س23: وهل وردت آيات تشير إلى أفضلية العبودية عموماً؟

ج : نعم, قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} وقال على لسان ابليس: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} وقال: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} وغير ذلك الكثير من الذكر الحكيم.

س24: فيما سبق ذكرتم عناوين لمستحقي الزكاة وهم (الفقراء والمساكين) فهل هنالك عناوين أخر؟

ج : اعلم أنه من جملة العناوين المستحقة للزكاة و (يجوز صرفها عليهم) هم (العاملون عليها).

س25: وما صفة العاملون عليها؟

ج : هم: جباة الزكاة وجامعيها من مالكيها بإذن الحاكم العادل (هذا بنظر المتشرعة). أما مع فهما للجانب المعنوي للزكاة كان للعاملين عليها أمر معين من حيث أن الإنسان إما أن يزكي نفسه بالعمل الصالح, وإما أن يزكي غيره بالهداية والتعليم. إذن فالعاملون على الزكاة المعنوية منقسمون إلى (من يصلح نفسه) وإلى (من يصلح غيره) وكلاهما مستحق لها.

أما من يصلح نفسه, فباعتبار أنها هي النتيجة الطبيعية أو الحقيقة لعمله. وأما من يصلح غيره, فباعتبار أن التعليم والهداية بنفسه عمل من الأعمال الصالحة, ينتفع بها كما ينفع بها غيره.

مضافاً إلى أن تعليم الغير (نافع للمعلم) فكرياً وعقلياً أيضاً, فإنه كثيراً ما يكون موجباً لإنفتاح الذهن على عدد من الحقائق والأفكار لم يكن ملتفتاً إليها فيما سبق.

س26: قال تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} فكيف يتفق هذا مع القول بتزكية النفس؟

ج : إن الذم في الآية الكريمة راجع إلى (بيان مدح النفس وذكر ميزاتها) وهو ممنوع أخلاقياً. أما بالنسبة إلى (التكامل) فهو مسلم الصحة وواضح الإنتاج, وفي الحكمة (إن القدم الأولى من العبد والباقي من الرب) وقال تعالى: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ولا يُحتمل حصول الرحمة والثواب بدون العمل. إذن فالمراد من تزكية النفس هو (العمل لإصلاحها) وهذا غير منهياً عنه في الآية الكريمة.

 س27: مرَ الكلام في إصلاح النفس وإصلاح الغير, فمن هو المتقدم على الآخر؟

ج : اعلم؛ أن إصلاح النفس سابق على إصلاح الغير, ولا معنى لإصلاح الغير مع فساد النفس. وقد قالوا في الفلسفة: (فاقد الشئ لا يعطيه). وقال الشاعر:

يـا أيـها الرجـل المعـلم غــيره         هلا لنفـسك  كـان  ذا التعلــيما

تصف الدواء لذي  السقام وذي الضنا        كـيما يشــفى وأنـت سقــيم

إبدأ بنـفسك فـانهها  عـن غـيها         فـإذا  انتـهت  فأنـت حكــيم

س28: هل هناك عناوين أخر لمستحقي الزكاة؟

ج : نعم, هم (المؤلفة قلوبهم) وصفتهم المادية مذكورة في التشريع, فراجع. أماصفتهم المعنوية فتأليف القلوب هو (تقريبها إلى المحبة) ويكون ذلك بأسلوب من (أساليب النفع), وفي الحكمة: (أحبك يانافعي) فلو انتفى النفع انتفى الحب.

س29: ألا يحصل التأليف بغير النفع؟

ج : هذا نادر جداً, بل يكاد يكون منتفياً, حتى بين الأرحام, بل الأرحام القريبة كالأب والأخ. وهو شامل (في مستوى الإنسان الإعتيادي) حتى لله سبحانه وأولياءه فيما لو تصور  الفرد أنهم غير نافعين له.

على أي حال, فالنفع إن كان دنيوياً اكتسب الحب الدنيوي (لو صح التعبير) من قبل المستفيد. وإن كان أخروياً اكتسب الحب الأخروي, وهو الحب الأهم والأوضح في الشريعة وفي ارتكاز المتشرعة, وهو المفهوم من قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه} وقول الأمير (ع): {ما عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَلآ طَمَعَاً فِي جَنَتِكَ وَلكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلاً لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ}.

  س30: قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه} وقد عرفنا أن حب المؤمنين لله سبحانه بدافع الانتفاع, فكيف نفسر حب الله للمؤمنين؟

ج : اعلم؛ أن حب الله للمؤمنين  فباعتبار طاعتهم له وتركهم لما ينهي عنه, وقد اعتبرها الله سبحانه شكلاً من أشكال الانتفاع لذاته, وإن كان هو سبحانه غنياً عن العالمين حقيقة, لكن هذا كافٍ لتوضيح الأمر وفق المستوى الكمالي الآن إلى أن يشاء الله بيان حقيقة الأمر.

س31: هل تأليف القلوب بالنفع ساري في جميع المستويات الكمالية؟

ج : نعم, هو موجود على كل المستويات, إلاّ من استطاع الإرتفاع عن ذلك في المدارج العالية من الكمال. وإن كان ذلك فهو لا محالة يمر في مراتب تكامله بمثل هذه الأمور. فبمجرد أن يكون الفرد محتاجاً لشئ (دنيوياً أو أخروياً) ويحرز الفرد الآخر القدرة على قضاء حاجته يكون الأول مستحقاً لدفع هذه المنحة أو الصدقة أو الزكاة, ماشئت فعبر, وهذا نظام ثابت في خط الأنظمة التكاملية.

س32: ما المدار الذي يجعل من قضاء حاجة المحتاجين قربة لله سبحانه؟

ج : اعلم, أن كل قضاء حاجة هي صدقة وزكاة وقربة إلى الله سبحانه (مادام الإخلاص فيها متوفراً).

س33: إن المؤلفة قلوبهم لا يعرفون بإعطائهم المال أنهم من المؤلفة قلوبهم, لا بل لا يلتفتون إليه, لا قبل دفع المال ولا بعده, ولا يُقال لهم أيضاً: إننا نعطيكم من سهم المؤلفة قلوبهم, إذ لو قيل لهم ذلك لكان احتمال رفضهم راجحاً, فيحصل الفشل لا محالة.

وهذا بخلاف الأصناف الأخرى, فإنهم يعلمون صفتهم قبل دفع المال وبعده, ويمكن أن يُقال لهم ذلك, هذا الفرق الأول. أما الفرق الثاني هو أنهم غير مشترطين بالفقر, وإلاً لاندرجوا في سهم الفقراء. فما المعطى الأخلاقي لهذه الفروق؟

ج : أمـا الفرق الأول, فينبـغي أن يكون واضحـاً لإمكـان القول: بأن المُعطي (وهو من

يقضي حاجة الآخر) لا يكون ملتفتاً إلى أن عمله ينطبق عليه معنى سهم المؤلفة قلوبهم, فكيف بالآخذ.

أما الفرق الثاني, فالفقر أخلاقياً هو (الافتقار إلى التكامل) أو إلى الدخول أو الوصول إلى أي درجة أو رتبة لم يكن الفرد وصل إليها, سواء كان ذلك في الدرجات الدانية أو الدرجات العالية.

أما إذا كان في الدرجات الدانية فهو فقير أخلاقياً بمعنى كامل أو بقول مطلق. وأما إذا كان في الدرجات العالية فهو وإن كان يصدق عليه الغنى أخلاقياً من هذه الناحية, إلاّ أنه مفتقر إلى وصوله إلى الدرجة التي يعيدها, وهذا يكفي.

أما مسألة  إطلاق الآية لكون المؤلفة قلوبهم لم يُشترطوا بالفقر فهو صحيح أخلاقياً, ومعناه (عدم اشتراط التربية بالدرجات المتدنية من الكمال, بل تشمل الدرجات العليا أيضاً).

س34: بقي سؤال واحد بهذا الصدد وهو: إن المتشرعة قالوا بأن سهم المؤلفة قلوبهم خاص بالكفار الذين يُستمالون إلى الجهاد, في حين لا يمكن أن نسمي المتكاملين كفاراً بأي حال, فما هو الفهم الصحيح هنا؟

ج : الحق أن هذا السهم لايشمل الكفار فحسب, وإنما يشمل الكفار والمسلمين, من حيث تشجيعهم (أي المسلمين) وتقوية عقائدهم, ومن هنا أمكن الشمول أيضاً في المعنى الأخلاقي.

بل يمكن القول: إننا نستطيع أن نسمي المتدنين في الكمال كفاراً ونسمي المتكاملين مسلمين أخذاً بقوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} وكل مشرك كافر بطبيعة الحال, وبقوله تعالى: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً}.

س35: هل هناك مستحقي للزكاة غير ما ذُكر؟

ج : نعم, من جملة مستحقي الزكاة أيضاً الـ(رقاب), وهم: (العبيد يُشترون ويُعتقون) ولا شك أن العتق نفسه يحتوي على جانب أخلاقي عالي, سواء كان مُعوضاً أو غير مُعوض.

س36: إذن فالعتق يقابل الرق العبودية. فما معنى العبودية أخلاقياً؟

ج : اعلم؛ أن تلك العبودية هي تجاه أي سيطرة وتسلط, فكل ما يسيطر عليك فقد ملكك, وكل ما ملكك فقد أصبحت عبداً له, لا يختلف في ذلك أن يكون المسيطر إنسان حاكم أ, شهوة قائمة أو مذهب ملتزم به أو فكرة مسيطرة, فإن كل ذلك إن كان بالباطل كان رِقْيَة باطلة, والعتق منها ضروري. وأما العبودية الحقة فهي مطلوبة, والعتق منها مرفوض.

س37: ما هي موارد العبودية الباطلة أو المتدنية؟

ج : لها عدة موارد:

منها : الأهداف الدنيوية والمصالح الشخصية مهما كانت صفتها.

ومنها: صور الإدمان والاعتياد على بعض الأمور كالكحول أو المخدرات أو السكائر أو الشاي, بل حتى الإعتياد على مخالطة الناس أو ممارسة لعبة معينة أو على كثرة الأكل, أو حتى تكرار كلمة معينة تكون عكازة في الكلام, وغير ذلك كثير.

س38: وما أهم موارد العبودية أخلاقياً؟

ج : المهم أخلاقياً في موارد العبودية هو: سيطرة فكرة باطلة أو مسلك غير صحيح أو شك من الشكوك في القلب, أو مرض نفسي. وأشباه ذلك. فإن كل ذلك في الحقيقة هو من الإدعاء, أو قل: سلاح العدو الأكبر وهو الشيطان. ومن هنا يكون الإنعتاق منها لطفاً ونعمة ونجاة من مثل هذا العدو.

س39: ما هي أوضح صور العبودية الدنيوية؟

ج : في الحقيقة أن العبودية الدنيوية ليست إلاّ لأمرين:

الأول: للأسباب التي ليس لها حقيقة, وإنما الله هو مسبب السباب.

الثاني: للشهوات المبعدة عن الله والمظلة عن طريق الحق.

ويكون العتق بقطع كل ذلك لا محالة.

  س40: هل هناك مستحق للزكاة بعد؟

ج : نعم, من جملة مستحقي الزكاة أيضاً هم (الغارمين) وهو الأفراد الذين ركبتهم الديون وعجزوا عن أدائها.

س41: وما معنى ذلك أخلاقياً؟

ج : يمكن أن نعبر عن المعنى الأخلاقي لذلك بأنه: الذي أكل حق الغير وغمطه بدون استحقاق, كما أن المدين يأكل أموال الدائن وهي ليست له.

س42: قلتم أن الغارم هو آكل حق الغير, فمن هو الغير من الجهة المعنوية؟

ج : الغير الذي يُغمط حقه صنفان, لأنه إما يكون المخلوق وإما أن يكون هو الخالق. فهو يكون دائنا والفرد الآكل للحق يكون مديناً أو غارماً.

س43: يتبين من ذلك الفهم ارتباط الأمر مباشرة بحق الناس وحق الخلق؟

ج : هو كذلك, فأي حق أديته لصاحبه فهو المطلوب, وإلاّ كنت مديناً على أدائه ومشغول الذمة أو المسؤولية في التحلل من صاحبه والتوبة أمامه جهد الإمكان.

س44: هل هناك فرق بين حق الناس وحق الله؟

ج : تفترق حقوق الناس عن حقوق الله تعالى بنقطة ضعف ونقطة قوة. أما نقطة الضعف, فلأن حقوق الناس أهون غمطاً من حقوق الله للفرق بين أهمية الله وأهمية الناس أنفسهم, لوضوح أن الحق كلما كان أهم كان غمطه أصعب, يعني أشد مسؤولية.

وأما نقطة القوة في حقوق الناس, فلأن الله سبحانه أسهل أداءً بـ(التوبة والإنابة) والله سبحانه وتعالى {غَفُورٌ رَحِيمٌ} و (سريع الرضى) وهكذا أراد لنفسه جل جلاله معاملة الخلق بالرحمة التي {وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}.

في حين أن أداء حقوق الناس يتوقف على رضا الطرف الآخر, مع أنه قد لا يرضى إلاّ بضعوبة أو يكون استرضاءه صعباً ويحتاج إلى المرور بذلة ونحو ذلك, أو قد تترتب عليه فتن. فيبقى الحق مسجلاً غير قابل للأداء.

س45/ قد عرفنا أن الدائن مرة يكون الخلق وأخرى يكون هو الله. فبِمَ يختلف دَيْن الله عن دين الخلق؟

ج/ عندما يغمط الفرد حقوق الله ويتجاوز عليها, والتي يكون عندها مّيناً ويكون الله دائناً بامعنى الأخلاقي, فإن الله سبحانه يختلف عن سائر الدائنين من عدّة جهات:

الأولى: إنه يُحلل دائنيه ويُفرغ ذممهم من كثير من ديونه باعفو والصفح والمغفرة.

الثانية: إنه يصبر على طول الدّين, فإن تباطء في أدائه عفا عنه. وبالرغم من ان البطء دين آخر إلاّ أن المهم هو الأداء ولو بعد حين. وهذا معنى كون (باب التوبة والإنابة مفتوح ما دام النَفَس موجوداً) أي ما دام الفرد في هذه الحياة الدنيا.

الثالثة: إن هذا الدائن هو الذي يُسبب للمدين طريق وفاء دينه, كأن يُعطيه مالاً ليدفعه إلى الدائن الذي نفس مُعطي هذا المال. ومع ذلك فهو يعتبره وفاء لما في ذمة المًدين.

بل المسألة أكبر من ذلك, فإن هذا الدائن يًعتبر ما أخذه من الدين من مَدينه في ذمة قرضاً له {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}.

 س46/ وكيف يكون ذلك؟

ج/ هذا بمعنى؛ أن الله تعالى كأنه يعتبر نفسه مديناً بالثواب لعبد على أعماله الصالحة وطاعاته. غير أن الفرق أن العبد كان بمنزلة العاجز عن أداء حق ربه عندما يكون مديناً له, ولكن الله سبحانه قادراً على أداء الدين الذي أعتبره على نفسه من إعطاء الثواب الجزيل والجزاء الجميل {وَأنْتَ الوَهَابُ ثٌمَّ لِمَا وَهَبْتَ لَنا مِنَ المُسْتَقْرِضِين}.

س47/ هل معنى ذلك أن يكون االمدين مُبْرء الذمة بالكامل لما في ذمته؟

ج/ لا, إنما الأمر أكثر من ذلك, إذ أن العبد بصفته مديناً لله سبحانه لا يستطيع أن يدفع كل دينه, بل تبقى نسبة منه غير مدفوعة لا محالة. لاستحالة أن يُطاع الله تعالى حق طاعته, وأن يؤدي لله كل حقه, فيبقى الفرد راجياً للمغفرة والتسامح من هذه الجهة.

في حين أن الله سبحانه بصفته مَديناً لعبد بالثواب فهو قادر على أدائه, بل يؤدي بأضعاف مضاعفة, ويُعطي بالحسنة عشرة أمثالها, بل أكثر حينما يقول: {وَلَدَيْنا مَزِيْد}.

س48/ إن هذا الأمر (أي الأداء بالأضعاف) هو شبيه بالمعاملة الربوية من الناحية الفقهية؟

ج/ هو كذلك, من حيث أنه يُعطي أكثر ممكا أخذ, إلاّ أنَ الإختلاف بين الناحية الفقهية وبين الناحية الأخلاقية يكون الربح الإضافي إنما هو مدفوع برضا المدين وبطيب قلب منه.

س49/ الربح والاسترباح الحلال والربا إنما هو في المعاملات التجارية, فهل نعتبر الأمر الذي نحن بصددة تجارة بين الله سبحانه والعبد؟

ج/ نعم, فقد شبة الله تعالى ذلك بالتجارة, وإن هذه الزيادة كأنا ربح تجاري يأخذه الرفد من ربه بقوله تعالى: {تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} يكون فيها الله مشترياً والعبد بائعاً.

س51/ ما هي حقوق الله تعالى على العبد؟

ج/ الحقوق التي يُتوقع من العبد أن يفعلها تجاه ربه, والتي إن لم يفعلها أو قصَّر فيها كان مُدينا له, وقد عرفنا أن الفرد مُقصر لا محالة, لاستحالة أن يُعطي الله سبحانه كل حقه. أما حق الله على العبد فمنها:

1-         أن يُطاع في كل أوامره ونواهيه , سواء الإلزامية منهت أو الإستحبابية.

2-           زيادة التركيز في الطاعة.

3-           الأخذ بالرخصة (كما ورد في بعض الأخبار).

4-           أن يُشكر على (كل نعمة من نعمه).

5-           أن يُذكر حق ذكره (في اللسان والجنان).

6-           أن ندرك عظمته وهيبته.

7-           أن ننسب النعم إليه.

8-           أن ندرك إنه رقيباً في الصغيرة والكبيرة من ذنوبنا و من (كل أفعالنا).

إلى غير ذلك من الموارد. فهل خرجنا من كل هذه الحقوق؟!!

س52/ الآن, عرفنا معنى الغارمين أخلاقياً, فما معنى دفع الزكاة إليهم أخلاقياً؟

ج/ إن ذلك يعني؛ إعانة هذا المَدين على أداء دينه, وهذه الإعانة يمكن أن تحصل من المخلوقين, ويمكن أن تكون من الخالق. أما حصولها من المخلوقين فبعدة أمور:

الأمر الأول: هدايته إلى الدين الحق أساساً(لو كان غير مؤمن في أول أمره).

الأمر الثاني: هدايته إلى المسائل الفقهية أو الأخلاقية في أي مورد بذاته.

الأمر الثالث: حثه على الطاعة وشذ همته على المزيد منها.

الأمر الرابع: إعانته على طاعة الله سبحانه بتوفير الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو النفسية المناسبة.

س53/ حث وهداية وإعانه الغارمين أتحصل من المؤمنين فقط أو من غيرهم؟

ج/ يمكن حصول ذلك من المؤمنين أو من الأخوة في الإيمان, وهو من مداليل قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}.

وقد يحصل من غير المؤمنين كما ورد في الحديث القدسي: {ألظَالِمُ جُنْدِي}  سواء علم أو لم يعلم.

وقد يحصل من الملائكة, وهو من مداليل قوله تعالى على لسان الملائكة: { نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ }.

س54/ هل دفع الزكاة واجب على كل فرد؟

ج/ من الواجب دفع الزكاة التي في ذمة المالك, وهذا معناه أنها واجبة التنفيذ على من يستطيعها, ومن حق الطرف المستحق أن يُطالب الآخرين المتمكنين.

س55/  هل كل المؤمنين لهم القدرة والإستطاعة على دفع الزكاة؟

ج/ اعلم؛ إنه لا ينبغي أن نغفل عن ( أن كل المؤمنين هم غارمون بالمعنى المعنوي) لقصورهم عن أداء حق الله سبحانه (كما عرفت). كما أنهم جميعاً ضامنون لمثل هذه الزكاة من ناحية استطاعتهم على إعانة الآخرين على الهداية والطاعة ونحو ذلك.

ومن هنا تنطبق على المؤمنين كلتا الصفتين (من جهة الإهتبار والنظر).

س56/ كيف تكون إعانه الله سبحانه للعبد؟

ج/ إعانة اللع سبحانه للعبد (الغارم) على حسن الطاعة هو أوضح من أن يُذكر, فإعانته سبحانه تكون بالتوفيق والتسديد وتوفير الفرص المناسبة للتكامل.

س57/ استحقاق الزكاة هل هو منحصر بالأصناف المذكورة فيما سبق؟

ج/ كلا, إذ من ضمن الستحقين للزكاة وهو (إبن السبيل).

س58/ وما صفته؟

ج/ هو بالمعنى الفقهي: (كل شخص منقطع به في أي بلد) بحيث أصبح لا يجد طعامه وشرابه وأجرة سفره رجوعاً إلى أهله. ولا فرق في أن يكون في أهله ميسور الحال أو لا, المهم في ذلك هو أن يكون في غير بلده منقطع به وإن كان غنياً في أهله أو فقيراً.

 س59/ ما الذي يستحقه إبن السبيل من الزكاة؟

ج/ يُعطى من الزكاة بمقدار حاجته وما يرد به إلى أهله, فإن كان فقيراً في أهله وفضل منها شئ كان له التصرف به بصفته مستحق لسهم الفقراء, وإن كان غنياً في أهله وجب عليه ردّ الباقي أو إعطائه إلى مستحقي الزكاة بإذن الحاكم الشرعي.

س60/ ما معنى (إبن السبيل) بالمعنى الأخلاقي؟

ج/ يكون معنى إبن السبيل هنا أعمق مما ذُكر, فسيمكن أن نفهم منه معنوياً بأنه هو: (من تقتضي ضروفه أو ضرورته أو جهله أن ينقطع عن جماعته الأصلية التي يتصل بها وتحمل له في قلبها الإخلاص إلى جماعة مضرة بحاله من حيث يعلم أو لا يعلم).

س61/ هل هذه الصفة هي على المستوى الديني أم الدنيوي؟

ج/ اعلم؛ أن ما ذكر في الجواب السابق يمكن أن يكون على المستوى الدنيوي, كما يمكن أن يكون على المستوى العقائدي أو الديني.

أما على المستوى الدنيوي: فكمن ينفصل عن أسرته أو عن مشاركيه اقتصادياً أو اجتماعياً, فيسوء حاله لهذا الإنفصال, ويكون عرضة لمكر الماكرين وأذى المخادعين, فيصبح بهذا المعنى (إبن السبيل), ويكون المطلوب إنسانياً ودينياً إنقاذه من ورطته وإرجاعه إلى مركز إنتفاعه, ونحو ذلك.

وأما على المستوى العقائدي أو الديني: فكمن كان مستفيداً من معلم أو شيخ أو أصدقاء طيبين ثم اقتضت ظروفه الإنفصال عنهم لأي سبب دنيوي, الأمر الذي ينتج تسيبه عقائدياً, أو تشتت أمره دينياً, ومن ثم احتمال انزلاقه في المحرمات والفواحش أو أي شئ من هذا القبيل.

فمثل هذا الفرد يكون (إبن سبيل) ويحتاج إلى إنقاذه من ورطته وإرجاعة إلى عشه, وإعادة ما يحتاج من هداية وتوجيه من قبل أي قلب طاهر قادر على ذلك.

س62/ وهل يعتبر من كانت له الفرصة لطاعة الله سبحانه ثم انسلبت منه (إبن السبيل)؟

ج/ هو كذلك أكيداً, فبدلاً من أن نقول كما قلنا من أنه يقارق معلمه أو صديقه نقول: إنه كان في طاعة الله سبحانه وابتعد عنها, أو كان مع الله والآن هو مع الشيطان, فأكيداً يحتاج إلى من يرجعه إلى الله وطاعته.

س63/ هل معنى (إبن السبيل) منحصر بما ذكر؟

ج/ اعلم؛ أنه هنالك معنى آخر مقارب نسبياً مبني على القول: بـ(وجود الأرواح قبل وجود الأجسام) ولعه هو الذي يسمى بـ(عالم المُثل) فلسفياً, والمشهور نسبته إلى (إفلاطون) ويدعمه (إبن سينا) في قصيدته العينية المشهورة والتي أولها (نزبت إليك من المحل الأرفع) إلى أن يقول:

           تبكي وقد نسيت عهوداً بالحمى               بمدامـع  تهمي   ولمـا  تقـلع

           حتى إذا أقترب المسير إلى الحمى               ودنى الرحيل إلى  الفناء الأوسع

فإذا أُرسلت الروح إلى الدنيا وولدت فيها كانت (إبن السبيل) لأنها منقطعة عن عالمها التي كانت فيه وسعادتها التي تميل إليها غريزياً, وتحتاج إلى الرجوع إليها حاجة الرضيع إلى محالب أمه.

س64/ على هذا, فمن هنا المالك الذي يدفع الزكاة؟

ج/ إن الزكاة المدفوعه لإنقاذه من هذه الورطة بالذات لا يمكن أن تكون من قبل غيره, بل إن نظرنا إلى الأسباب قلنا: بأن نفس الفرد يجب أن يكون كفيلاً لذلك, وذلك بالتزامه السلوك الصالح والطريق المؤدي إلى عالم المعنى ومستويات الروح. وإن نظرنا إلى المسبب جل جلاله قلنا:  إن الإنقاذ بيده, وهو المنقذ الوحيد من هذه الورطة وكل ورطة.

س65/ هل ورد شئ يدعم القول الثاني؟

ج/ نعم, فمن النصوص التي تكون مصداقاً على التسبيب الإلهي قول المعصوم (ع) في بعض الأدعية : {إلهي اْطْلُبْني برَحْمَتِكَ حَتى أَصِلَ إِلَيك واْجْذُبْني بِمَنِّكَ حَتَى أَقْبِلَ عَلَيْك} ويقول في نفس الدعاء: {مِنْكَ أَطْلِبُ الوُصُولَ إِلَيْك وَبِكَ أَسْتَدِلُ عَلَيْك فاْهْدِني بِنُورِكَ إِلَيْك وأقِمْني بِصِدْقِ الْعُبودِيَةِ بَيْنَ يَدَيْك}.

س66/ أيمكن أن يعد نزول الروح إلى الدنيا ورطة ينبغي الخلاص منها؟

ج/ هنا ينبغي أن نلتفت إلى أمر مهم جداً وهو:

إن هذه الصفة الطارئة التي هي (إبن السبيل) بهذا المعنى ضرورية للفرد, وفي مصلحته وليست ورطة حقيقية ينبغي الخلاص منها وإن كانت صعبة, بل هي رحمة وليست نقمة, لأننا ولدنا في الدنيا لكي نتعلم ونتكامل ونتطهر, ففتح هذه الفرص لنا من أعظم النعم.

س67/ بعد كل هذا الكرم في أصنا مستحقي الزكاة يتبين أنها كلها متعلقة بالله سبحانه من الناحية المعنوية وكذا التشريعية, فهل هناك أمر يشملها جميعاً؟

ج/ نعم يوجد, فهنالك مورداً آخر من موارد مصارف الزكاة, ولعله أهم وأوسع ما ذكرته الآية الكريمة ألا وهو سهم (سبيل الله) وهو جميع سبل الخير.

والمراد منه هو: (كل ما كان تقرباً إلى الله عز وجل مقترناً بقصد الإخلاص له سبحانه).

س68/ ما القرينة أو العلاقة بين (سبيل الله) و (سبل الخير)؟

ج/ قرينته كون العنوان العام لهذا السهم هو سبيل الله, والخير هو الله سبحانه, فسبيل الخير هو سبيل الله. ولا يراد بها ما هو أوسع من ذلك.

واعلم؛ أنه كما لو كان يريد الجهة الإنسانية أو العاطفية أو غير ذلك مما كان معزولاً عن القربة لله عز وجل, فإن ذلك مما لا يجوز صرف الزكاة فيه.

س69/ هل لهذا الصنف نفس سعة الصناف السابقة؟

ج/ اعلم؛ أن هذا العنوان (سبيل الله) غير ما سبق من العناوين المذكورة, ولذا مثل له الفقهاء بأمور خارجة عن ذلك المجموع (وإلاّ لزم التداخل بين العناوين) وهو غير محتمل.

وعليه, نعرف أن في أخذ هذا العنوان هو (توسع للزكاة بشكل أكبر) عن تلك العناوين بالرغم من سعتها في أنفسها. ومن هنا يكتسب هذا العنوان أهمية خاصة لأنه (يشمل كل نواحي المجتمع وطبقاته وحاجاته) والتي يدركها الّلبيب بدون حاجة إلى التفصيل.

س70/ هل يمكن إعطائنا فكرة عن عمل العاملين على الزكاة؟

ج/ العاملين على الزكاة هو: (الجباة لها والسعاة عليها).

س71/ هل وردت في السنة الشريفة مميزات للعاملين على الزكاة؟

ج/ وردت بعض التعاليم في السنة الشريفة, وأخذ بها الفقهاء, ظاهرها الوجوب لا الإستحباب. بمعنى ان ( العامل ملزم بتطبيق هذه التعاليم, ولا يجوز له عصيانها) وهي جهة أخلاقية رفيعة على الرحمة بالمالكين, فمن ذلك:

أولاً: إن المالك إذا قال للعامل: (إن أموالي ليس فيها نصاب زكوي, أو أنها لم تبلغ النصاب) صدَّقه ولم يُطالب بالإثبات أو البينة.

ثانياً: لو قال المالك: (دفعت الزكاة من أموالي) لا يجبره على دفع حيوان معين, بل يُعطيه الحرية الإختيار في ضمن التعاليم الفقهية. وإذا أخذ منه الزكاة داعا له وجوباً.

س72/ ما الغاية من ذلك؟

ج/ اعلم؛ أن مثل هذه التعاليم كما تمثل الرحمة بالمالكين والتنازل معهم إلى أقصى حدّ, ثمل ايضاً الإعراض عن الطمع بالمال وحب جمعه, وإنما يجمع العامل من الزكاة بمقدار ما طابت نفس المالك بدفعه في حدود التعاليم الشرعية.

وظاهر السنة الشريفة هو تطبيق هذه القواعد, يعني التنازل مع المالكين, والرحمة بهم حق لوجوب العوز في جانب المستحقين. فإن هذا من جانب المستحقين من رزق الله سبحانه, فقد يوسعة وقد يُظيقه. والحكمة تقول: {إن وسَّع وسعنا وإن ضيَّق ضيقنا}.

س73/ ورد ذكر الـ(النصاب) فما هو؟

ج/ النصاب هو : (ما بموجبه يتعين وجوب الزكاة) أي بمعنى أنه لا زكاة دون النصاب.

س74/ وما مقتضى النصاب؟

ج/ مقتضى النصاب هو تحديد استحقاق الأموال للزكاة, فلا يجب دفع الزكاة من كل المال, بل من خصوص الأموال التي تبلغ حدِّ النصاب. وفي هذا تسهيل على المالكين بطبيعة الحال وتوفير نسبي لأموال الأغنياء.

س75/ نريد الآن التعرف

س76/ ما معنى النصاب بالمعنى المعنوي؟

ج/ النصاب معنوياً هو: (تعبير عن مرحلة من مراحل الكمال نفسياً أو عقلياً أو روحياً) وفي الحكمة: (إن كل من وصل إلى مرحلة من مراحل الكمال استحق المرحلة التي تلي) ولكنه لن يستطيع بلوغ نهايتها, وإلاّ فسيكون الطريق مسدود إليها.

س77/ هل بإمكان الفرد الانتقال من مرحلته الحالية إلى المرحلة الأبعد (أي دون أن يمر بما بينها)؟

ج/ اعلم؛ أنه لا طفرة في مراتب التكامل, بل هي متعذرة, بل مستحيلة, فلا بدّ من التدرج المستمر, ولا يمكن في أكثر من مرحلتين بدون المرور بسوابقها (ولو قليلاً) وهذا لا يختلف في كل أنحاء تكامل الإنسان. فالتكامل العلمي من الناحية الثقافية كذلك لا يمكن أن يدخل الفرد في العلم الأعمق إلاّ بعد إطلاعه على الأقل, وهكذا كل درجة.

س78/ نعود الآن ونسأل عن معنى النصاب باختصار؟

ج/ معنى النصاب هو: (درجة الكمال التي وصل إليها) ولا تجب الزكاة قبل ذلك, أي لا يستحق التكامل إلى التي بعدها ما لم يصل إلى هذه الدرجة من الكمال بالذات.

س80/ هل نستطيع التعرف على نوع أو مقدار النصاب المعنوي؟

ج/ اعلم, أن الزكاة بهذا الوجه متعددة بتعدد مراتب الكمال, وكلما زاد النصاب زاد مقدار المدفوع, والحال هذه في الكمال كما هو الحال في التشريع.

س79/ إذن ما معنى المقدار المدفوع في الجانب معنوياً؟

ج/ هذا المقدار له أكثر من معنى:

إما بمعنى تعليم العلم للآخرين المستحقين له (وليس لكل أحد) وإلاّ لم يكن دفعها مجزياً ولا جائزاً, وفي قول لأمير المؤمنين (ع) : {المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق}.

وإما بمعنى تقديم التضحية المناسبة مع المقام الذي وصل الفرد إليه لأجل التسبيب للوصول إلى المقام الذي بعده, كما قال الله تعالى: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ}وكل مقام له سعيه المناسب.

وأما بمعـنى التـنازل عن الذات أو عن بعضها لله عز وجل في الأوصاف والفعال, وذلك بـ (التوكل عليه سبحانه وإخلاص النية له والرضا بقضائه) ونحو ذلك.

س80/ قال مشهور الفقهاء: (لا يستثنى من النصاب الزكوي في حساب الحصة المدفوعة إلاّ حصّة السلطان) فهل يسري هذا الأمر معنوياً؟

ج/ هو كذلك, إذ يجب تكريس النفس كلها للتكامل العقلي أو النفسي أو الروحي, وليس يحفظ الفرد لنفسه قسطاً منها إلاّ حصة السلطان.

س81/ وما المراد من السلطان هنا؟

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “زكاة النفس”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بارك الله فيك

    لدي سؤال في مسابقه واتمنى المساعده….

    لا يجوز دفع الزكاة للاصول والفروع بوصف الفقر والمسكنه . هل هناك مجال لاخراج الزكاة لهم بغير هذا الوصف

  2. اريد المصدر



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر