أنواع معرفة النفس
· ما هو دور معرفة الإنسان ونظره إلى النفس والعالم بمستقبله وحياته؟
· ما هي أنواع معرفة النفس؟
· أين يكمن خطأ ديكارت في رفعه للشكوك من خلال "أنا أفكر" ؟
· ما الفرق بين معرفة النفس الفلسفية والعرفانية؟
· ما هي أرقى أنواع معرفة النفس؟
· بماذا يفترق تألم العارف عن تألم الفيلسوف للحق؟
· ما هي الأسفار الأربعة؟
بين معرفة النفس ومعرفة العالم
إنّ الإنسان مدعوٌ لمعرفة ذاته والعالم، لما في ذلك من أثرٍ على كلّ جوانب حياته.
فالقران كتاب تربيةٍ وليس فلسفةً نظريةً لا انعكاس له على واقع الحياة. فمن عرف نفسه من أين، وفي أين، وإلى أين؟ يكون قد حدّد موقعه بدقّةٍ على خريطة الوجود، لكي يوصل نفسه إلى المنزلة السامية التي تليق به.
إنّ سعادة الإنسان وكماله يكمن في مدى إطلاعه ومعرفته بنفسه وبالعالم، وكلّ من هاتين المعرفتين حائزٌ على درجةٍ من الأهمية، لكن أيهما أهم من الاخر؟
هنا يكمن الصراع مع الفلسفات والمدنية الغربية، حيث أعطت درجةً كبيرةً من الاهتمام لمعرفة العالم ممّا أدى إلى نسيان النفس وانهيار الإنسانية في الغرب.
وقد سلّط الضوء على ذلك زعيم الهند (المهاتما غاندي) ناقداً أفضل من الجميع الثقافةَ الغربية ومشيراً إلى ما نتج عن نسيان النفس "وعندما يفقد الإنسان روحه ماذا ينفعه فتح العالم" (1).
ومن المحتمل أن يكون أحد وجوه الاختلاف هو أسلوب التفكير الشرقي وأسلوب التفكير الغربي، كما أن أحد وجوه اختلاف العلم والإيمان، هو أن العلم أداة للإطلاع على العالم، بينما الإيمان رأس ماله الإطلاع على النفس.
ولو أعطينا لمعرفة النفس اهتماماً أكثر أو معرفة العالم أكثر أو اهتممنا بهما بشكل متساوٍ فإن المتيقّن هو اتساع حياة الإنسان باتساع معلوماته، والأوعى تكون روحه أكبر، ويكون حيويّاً أكثر، والفلاسفة يعتبرون الروح حقيقة مشككة ذات مراتب ودرجات، فكلما تسمو معرفة الإنسان بنفسه تسمو درجة حياته وروحيته بالتدريج.
أنواع معرفة النفس
ويسعى العلم ليطلع الإنسان على نفسه كما أطلعه على العالم، لكن المعلومات التي يقدمها العلم ميتة لا تبعث الحماس في القلوب ولا توقظ الطاقات الكامنة في الإنسان، بخلاف المعلومات التي يقدّمها الدين عن النفس، والتي تؤسّس بالإيمان، فإنها تلعب وجود الإنسان وتزيل عنه الغفلة، وتشعل الطاقات المختبئة فيه لتصل إلى أسمى مراتبها وكمالها.
وليس المراد من معرفة النفس الإنسانية هو معرفة النفس الروتينية في دفتر النفوس، ولا البيولوجية التي لا يفترق فيها عن الحيوانات إلا باستقامة القامة، بل هي " الروح الإلهية" الذات التي تشعر بالشرف والكرامة، وتعتبر نفسها أسمى من أن تخضع للرذائل، وعندئذٍ يدرك الإنسان قدسيّتها، ويفهم للمقدّسات الأخلاقيّة والإجتماعيّة معنىً وقيمةً.
والنفس التي ينبغي على الإنسان التعرّف عليها ولا ينبغي الغفلة عنها هي تلك النفس التي نبّه الله تعالى في كتابه على عدم نسيانها:
(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (2).
ولكي يتضح الغرض أكثر نشير إلى أنواع معرفة النفس:
1 معرفة النفس الفطرية
فالإنسان يعرف نفسه بالذات، وهو قبل أن يعرف أي شيء غير نفسه يدرك نفسه بالوجدان وبالعلم الحضوري على حدّ تعبير المناطقة، وهذا النوع من الإدراك والمعرفة لا مجال للشك فيه لأن الواعي والوعي شيء واحد، وظهور الذات عين ظهور الوعي.
نعم، بعد أن يدرك الأمور الخارجية يجد نفسه شيئاً من هذه الأشياء، فهو يدرك في هذه المرحلة ذاته بالعلم الحصولي وعلى نحو صورة مرتسمة في الذهن، فيكون الواعي وهو الذات غير الوعي وهو الصورة المرتسمة في الذهن، وفي هذه المرحلة يمكن حصول الشك بل والخطأ، وبهذا البيان يظهر بوضوح خطأ ديكارت (3) لأن "أنا موجود" لا يقبل الشك لنحاول رفعه عن طريق "أنا أفكر".
2 معرفة النفس الفلسفيّة
حيث يقوم الفيلسوف بالبحث عن النفس الإنسانية ماهيتها وحقيقتها، هل هي جوهر أم عرض؟ ماديّ أم مجرّد؟ موجودة قبل الجسم أم معه؟ باقية بعد فناء الجسم أم لا؟ وأمثال هذه الأمور. وسيأتي الكلام عنها أكثر عند الحديث عن معرفة النفس العرفانية.
3 معرفة النفس العالميّة
وهي المعرفة في صلة النفس بالعالم، من أين أتت؟ وأين هي الان؟ وأين تذهب؟ فيكتشف الإنسان أنه جزء من هذا العالم الكبير، تابع له، ولم يأتِ ولم يذهب ولم يعش لوحده.
وهذه المعرفة التي أشار لها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله:
"رحم الله إمرءً علم من أين وفي أين وإلى أين؟".
وهذه المعرفة تلهب روح الإنسان في البحث عن الحقيقة، تؤلمه تعطّشاً للبحث عن اليقين، فتوجد في وجدانه الشك لتجرّه من جهة إلى جهةٍ سعياً للوصول إلى الإطمئنان وراحة البال.
4 معرفة النفس الطبقية
وهي المعرفة في صلة النفس بالطبقة الإجتماعية التي يعيش بها، ولذا تعدّ هذه المعرفة صورة من صور معرفة النفس الإجتماعية، وكل إنسان شاء أم أبى يعيش في طبقة من الطبقات ولون من ألوان الحياة.
وبعض الفلسفات التي ترى أن الركيزة الأساس في بناء المجتمع هي "الإقتصاد"، يكون الحاكم الأصلي على الفرد هو المصالح المادية، والذي يعطي لأفراد مجتمعٍ ما "الوجدانَ المشترك" و"الذوقَ المشترك" و"الحكمَ المشترك" هو الحياة المادية والمصلحة المشتركة، ولذا نجد بناءً على هذه النظرة الفلسفية أنّ معنى معرفة النفس الطبقية هو "معرفة الربح"، وهذه النظرة ستكون سبباً لأن يرى الإنسانُ العالمَ والمجتمعَ من منظاره الخاص، ويفسره تفسيراً خاصاً، ويكون ألمه وهمّه وتحيزه وجهده الإجتماعي طبقياً (4).
5 معرفة النفس القومية
وهي المعرفة في صلة النفس مع الناس الذين تربطه بهم رابطة قومية وعنصرية، على أثر الحياة المشتركة بينهم، بقانون مشترك واداب ورسوم وتاريخ ولغة مشتركة، حيث يكون للشعب الواحد " نفس" كما للفرد " نفس" ، ويمكن القول أنّ معرفة النفس القومية تعني معرفة الثقافة والشخصية القومية.
إن هذه المعرفة وإن لم تكن من مقولة معرفة الربح ولكنها لا تخرج عن مقولة الأنانية من هذه الأسرة، ولها جميع عوارض التعصب والعجب وحبّ النفس وغض النظر عن عيوبها، ولذا فهي كمعرفة النفس الطبقية تفقد الجانب الأخلاقي تلقائياً.
6 معرفة النفس الإنسانية
وهي المعرفة في صلة النفس في جميع الناس، وهذه المعرفة ترتكز على الفلسفة القائلة أنّ الناس يشكّلون بمجموعهم وِحدة واقعية، ويتمتّعون "بوجدان إنساني مشترك".
إنّ فلسفة الهيومانيسم (النزعة الإنسانية) التي ترى الإنسانَ فوق الطبقات والقوميات والأديان والثقافات والألوان، وتعتبره وحدةً واحدة وتنكر أي تمايز واختلاف، وكذا الفيلسوف "اوغست كونت" الباحث عن "دين الإنسانية"، وكذلك البيانات الصادرة عن لجنة حقوق الإنسان، تعتمد وتدعو جميعُها إلى هذا النوع من المعرفة النفسية.
ويدّعي دعاةُ هذه المعرفة أنه إذا حصلت هذه المعرفة للإنسان فسيكون ألمه ألماً إنسانياً وسعيه وجهده وتحيّزه كلّه إنسانياً وأخلاقياً، ويصبغ حبّه وبغضه بصبغة إنسانية، فيحبّ أصدقاءَ الإنسان أي العلم والثقافة والصحّة والرفاه والحريّة والعدالة، و... ويكره أعداءَ الإنسان أي الجهل والفقر والظلم والمرض و....
وهذه المعرفة وإن كانت فوق القوميّة والطبقية وتظهر منطقيةً أكثر من غيرها، إلا أنها أُمنية لا واقعية، وذلك لأن الناس إذا وصلوا إلى مرحلة الإنسانية وشكّلوا جسداً واحداً "نحن" بالفعل عندها يمكن أن يكون الناس كأعضاء الجسد الواحد، لكن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قد أشار إلى هذه المعرفة، لكنه كان دقيقاً في تعبيره حيث قال صلى الله عليه وآله:
"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى" (5).
فالرسول صلى الله عليه وآله لم يقل جميع الناس بل قال " المؤمنين" ، والمؤمن هو من وصلت إنسانيته إلى أعلى درجات الإنسانية وعندها يمكن أن يحبّ الخير الإنساني لغيره قبل نفسه، ويكره أعداءَ الإنسانية، أمثال الرسول الأكرمصلى الله عليه وآله الذي بُعث رحمةً للعالمين، وعلي عليه السلام الذي كان يقول لابن ملجم:
أريد حياته ويريد قتلي
عذيرك من خليلك من مرادي (6)
لكن الواقع غير ذلك فالناس فيهم موسى عليه السلام وفرعون، وفيهم علي عليه السلام ومعاوية وابن ملجم. إذن هذه المعرفة وهذه النظرة لا تتحقق إلا في مجتمع المؤمنين الواصلين إلى أعلى درجات الإنسانية.
7 معرفة النفس العرفانية
وهي المعرفة في صلة النفس بذات الله، وهذه الصلة ليست كصلة الإنسان بأفراد المجتمع، وإنما هي صلة موجودين يقوم وجود أحدهما في عرض وجود الاخر، صلة الفرع بالأصل والمجاز بالحقيقة، وحسب الإصطلاح صلة المقيد بالمطلق.
ويعتبر ألم الفيلسوف انعكاساً للالام الخارجية في معرفة النفس، وألم المتنور إجتماعياً يحصل بعد إطلاعه، بينما ألم العارف باطني وجداني ويكون ألمه عينَ إطلاعه كألم المريض ومعرفته به.
والفيلسوف يتألم للحقيقة لكن ألمه لمعرفة الحقيقة والعلم بها، وينبع من فطرة المعرفة، بينما ألم العارف للوصول والذوب والإتحاد بالحقيقة، هو ألم نابع من فطرة الحبّ التي لا تستريح إلا أن تحلق لتلمس الحقيقة بكل وجودها، الشيء الذي لا يوجد في الحيوان ولا في الملك الذي جوهره ذاته العلم ومعرفة النفس أيضاً.
العارف يعتبر معرفة النفس التامة كامنة في معرفة الله، وإنّ ما يعرفه الفيلسوف بصورة "أنا" الإنسان الواقعي، ليس واقعياً من وجهة نظر العارف، إنه روح نفس وتعيّن، و"أنا" الواقعي بنظره هو الله بعد كسر النفس والأنا والتعيّن.
يقول محي ابن عربي في فصوص الحكم الفص الشعيبي: "إنّ الحكماء والمتكلمين قد أكثروا القول حول معرفة النفس، ولكن معرفة النفس لم تحصل عن هذا الطريق، وكل شخص ظن أنّ ما وجده الحكماء حول معرفة النفس هو الحقيقة فقد استسمن ذا ورم".
فالروح مظهر من مظاهر النفس، و"أنا" الواقعي هو الله وعندما يفنى الإنسان من نفسه ويحطّم التعيّنات ويغضّ النظر عنها لم يبقَ للروح أثر، وعندما تعود هذه القطرة المنفصلة عن البحر إلى البحر وتفنى فيه يصل الإنسان إلى معرفة النفس الواقعية، وعندئذٍ يرى الإنسان نفسَه في جميع الأشياء، ويرى جميع الأشياء في نفسه، وعندئذٍ فقط يطّلع الإنسان على نفسه الواقعية.
8 معرفة النفس النبوية
تختلف هذه المعرفة عن كل ما تقدّم، فإنّ النبيّ له معرفة إلهية وبشرية بالنفس، وهو متألم لله ولمخلوقات الله، ولا يظنّ أنّ للنبي نصف قلبٍ عند الله ونصفه الاخر عند الناس، أو إحدى عينيه إلى الله والأخرى إلى الناس، أو أنّ حبّه وأمنياته وأهدافه موزعة بين الله ومخلوقاته، يقول تعالى في كتابه:
" مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ" (7).
والأنبياء عليهم السلام هم أبطال التوحيد ولا يوجد في عملهم أقلّ شرك، لا في المبدأ ولا في الهدف والأمنية ولا في التألم.
والأنبياء عليهم السلام يحبّون العالم ذرّةً ذَرّةً بسبب أنّ الجميع منه ومظاهر أسمائه وصفاته، وإنّ حبّ أولياء الله للعالم لمحة من حبّهم لله، لا حبّ في مقابل حبّ الله.
الأسفار الأربعة لأولياء الله
والأنبياء والأولياء في سيرهم وسفرهم التكاملي يعبرون منازل ويقطعون أسفاراً وهو ما اصطلح عليه العرفاء بالأسفار الأربعة:
1 السفر من الخلق إلى الحق
إنّ هذا الألم الذي يشعر به الأنبياء والأولياء في تكاملهم وتحرّكهم في السفر والطريق الذي يعبّر عنه "بالسفر من الخلق إلى الحق" لا يجعلهم يهدؤون لحظةً واحدةً حتى يوصلهم إلى قرار أمن.
2 السفر في الحقّ إلى الحقّ
وفي نهاية السير والسفر الأول يبدأ سفر اخر يعبّر عنه "السفر في الحقّ إلى الحقّ" ، وفي هذا السفر يمتلئ ظرفهم ويفيض وينالون نوعاً اخر من التكامل، حيث يكونون في الحقّ، وإلى الحقّ، وكأن الحركة والتكامل دائري في الحقّ، إتحاد مطلق معه فيعطيهم من فيضه كل الكمالات التي يمكن الوصول إليها، وتصبح كل قابلياتهم فعلية.
إن الباعث والدافع اللذَين يظهران في نهاية السفر الثاني يكونان بمثابة ولادة معرفة نفس الناس من معرفة نفس الحق وولادة التألم للناس من التألم لله.
3 من الحق إلى الخلق
والنبي أيضاً لا يقف في هذه المرحلة، بل بعد أن يفيض من هذه الحقيقة ويطوي دائرة الوجود ويعرف الطريق واداب المنازل، يُبعث ويبدأ سفره الثالث من الحق إلى الخلق، ويبدأ الرجوع، لكن هذا الرجوع ليس بمعنى التقهقر إلى النقطة الأولى والإنفصال عمّا حصل عليه، وإنما يرجع مع كل ما حصل عليه ووصل إليه، لذا فهو حسب الإصطلاح "من الحق إلى الخلق مع الحق" لا بعيداً عنه، وهذه مرحلة تكامل النبي الثالثة.
4 في الخلق مع الحق
ويبدأ بالرجوع إلى الخلق سفره الرابع ودور تكامله الرابع أي السير في الخلق مع الحق، السير في الخلق لدفعهم نحو الكمال الإلهي اللامتناهي عن طريق الشريعة، أي عن طريق الحق والعدل والقيم الإنسانية وإيصال القابليات البشرية اللامتناهية الكامنة إلى مرحلة الفعلية.
بين العارف والنبي
ويتضح من هنا أن ما هو هدف للمتنور هو للنبي منزل من المنازل التي يمرّ بالناس منها، كما أن ما يدعيه العارف يقع في بداية طريق النبي، فهو عندما يصل إلى الحق لا يرجع، بل يبقى في ذلك المنزل ولا يرقى إلى منزل اخر، بينما النبي حاملٌ للشريعة والذي له دور مع الخلق لا بدّ له من الرجوع من الحق إلى الخلق.
يقول إقبال في هذا الصدد: "ربما لا يمكن أن توجد كلمات في جميع الأدب الصوفي تميّز معرفة النفس بين نوعي معرفة النفس النبوية والصوفية في جملة واحدة كهذه (8)، إن الرجل الباطني (العارف) لا يريد أن يرجع إلى حياة هذا العالم من الهدوء والإطمئنان الذي يجدهما بالتجربة الإتحادية (الوصول إلى الحق ومعرفة النفس العرفانية). وعندما يرجع بحكم الضرورة لم يكن في رجوعه نفعٌ كثيرٌ لجميع البشرية. لكن رجوع النبي له جانبٌ إبداعيٌّ مثمرٌ، يرجع ويرد في مجرى الزمان لغرض أن يسيطر على مجرى التاريخ ويبدع عن هذا الطريق عالماً جديداً من كمال المتطلبات" (9).
وما هو مسلّم لدينا أن كل نبي يحمل ألم الله، والألم الذي يؤذي روحه هو ألم البحث عن الله فيعرج إليه ويصعد، ويرتوي من ذلك النبع وحينئذٍ يحصل عنده ألم الناس، فإنّ تألم النبي الناس يختلف عن تألم شخص متنور للناس، لأن ألم المتنور عاطفة بشرية ساذجة، إنفعال وتأثر، وربما يعتبر ضعفاً بنظر بعض الأشخاص أمثال "نيتشه"، لكنّ ألم النبي ألم من نوع اخر لا يشبه أيّاً من تلك الالام، كما أنّ معرفة نفس الناس عندهم تختلف أيضاً، فالنار التي تلتهب في روح النبي نار أخرى.
وصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله يحصل له نفوذ الشخصية قبل كلّ شخص، فإنه يتّحد مع العالم ويضمّ العالم إليه، وصحيح أنه يتعذب من همّ الناس:
"لّقّدً جّاءّكٍمً رّسٍولِ مٌَنً أّنفٍسٌكٍمً عّزٌيزِ عّلّيًهٌ مّا عّنٌتٍَمً حّرٌيصِ عّلّيًكٍم بٌالًمٍؤًمٌنٌينّ رّءٍوفِ رَّحٌيمِ" (10).
"فّلّعّلَّكّ بّاخٌعِ نَّفًسّكّ عّلّى" اثّارٌهٌمً إن لَّمً يٍؤًمٌنٍوا بٌهّذّا لاًحّدٌيثٌ أّسّفْا" (11).
وصحيح أنه صلى الله عليه وآله يتلوّع من جوع الناس وعريّهم ومظلوميتهم وحرمانهم ومرضهم وفقرهم، ويتألم لذلك إلى حدّ لا يتمكن أن ينام في مضجعه شبعاناً لكي لا يحصل جائعاً في أقصى البلاد:
"هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطونٌ غرثى وأكبادٌ حرّى" (12).
ولكن يجب أن لا يحمل هذا كله على رقّة القلب والترحم والعطف الساذج في مستوى مواساة الناس السذّج، إن النبي من حيث أنه بشر له بداية عمله وسلوكه جميع المزايا البشرية في اللون والشكل عند جميع البشر، ولكن بعد أن يلتهب جميع وجوده بالشعلة الإلهية تأخذ كل هذه الأمور صبغة إلهية.
والإختلاف بين من يربيهم النبي والمجتمع الذي يصنعه وبين من يربيهم المتنورون والمجتمعات التي يصنعونها كما بين السماء والأرض.
والإختلاف الرئيس أن النبي يجهد لإيقاظ الطاقات البشرية الفطرية ليلهب الشعور الغامض والحب الكامن في وجود الناس، ويدعو النبي نفسه "مذكراً" يبدع في الإنسان حساسية في مقابل جميع الوجود وينقل معرفته النفسية بالنسبة لكل الوجود إلى أمّته، ولكن المتنور يوقظ على الأكثر الشعور الإجتماعي عند الأفراد ويطلعهم على مصالحهم القومية أو الطبقية.
الخلاصة
كلما اتسعت معلومات الإنسان اتسعت حياته، ولمعرفته بالعالم وبنفسه دور أساس في تحديده شخصيته وسلوكه ومستقبله، ومن هنا كان الإنسان باحثاً عن الحقيقة في كل الأمور.
والغرب قد صبّ اهتمامه على معرفة العالم، وابتعد عن معرفة النفس، وإذا أدلى دلوه وأعطى رأيه في معرفة النفس، فإنها معرفة ميتة لأنها تفتقد إلى الإيمان. بينما معرفة الأديان للنفس مختلفة تماماً فهي تلهب الشعور والوجدان حتى لا يستقر إلا في قرار أمن، وعند الوصول إلى الله سبحانه.
إن معرفة النفس على أنواع عدةّ فطرية، فلسفية، عالمية، طبقية، قومية، إنسانيّة، عرفانية، وأرقى من ذلك كله هي المعرفة النبوية.
(1) راجع مقدمة كتاب " هذا مذهبي" .
(2) سورة الحشر، الاية/19.
(3) وهو الفيلسوف الفرنسي كان في القرن السابع عشر، بدأ في فلسفته بالشك في كل شيء حتى في البديهيات، لكنه لم يشك في أنه يفكر وأنه يشك، ومن شكه وتفكيره أثبت وجوده واستنتج وجود الله وسائر الأشياء.
(4) يمكن تسمية هذا النوع من المعرفة بمعرفة النفس الماركسية.
(5) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج109، الباب الثالث والأربعون، ص173.
(6) أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص18.
(7) سورة الأحزاب، الاية/4.
(8) إشارة إلى كلمة أحد شيوخ أهل الطريقة وهو عبد القدوس جنجهي عندما كان يتحدث عن ذهاب الرسول في المعراج إلى السماء ورجوعه قال: " أقسم بالله لو كنتُ أنا الواصل إلى تلك النقطة لم أرجع أبداً" .
(9) إقبال اللاهوري، إحياء الفكر الديني في الإسلام، ص 1543 - 144.
(10) سورة التوبة، الاية/128.
(11) سورة الكهف، الاية/6.
(12) نهج البلاغة، من كتابه عليه السلام إلى وليه عثمان بن حنيف.
كتبها الشيخ مهدي يونس في 10:22 مساءً ::
ana bade a3ref 3an kol sha5seya la 7ala ya3ne 3an tari2at al 3youn or lon al sha3er
الاسم: الشيخ مهدي يونس
