ابن يونس الساعدي


{معرفة الطريق شيء والسير فيه شيء آخر}

السبت,آذار 04, 2006


فصــل الأول
النية
س1: ما معنى النية ؟

ج : للنية عدة معان يمكن أن تراد منها، وهي:

1- النية اللفظية.

2- الإخطار الذهني.

3- القصد.

4- الهدف أو الاستهداف.

5 - الباطن أو المحتوى الداخلي للإنسان، أو قل: النفس والقلب.

س2: ما المراد من النية اللفظية ؟

ج : المراد من النية اللفظية هو: ما ينطقه الإنسان عند إرادة الدخول في الصلاة أو بعض أفعال الحج.

س3: وما المراد من الإخطار الذهني؟

ج : هو تذكر واستحضار مضمون النية اللفظية بدون نطقها.

س4:    وما المراد من القصد؟

ج : هو : أن تعرف انك ماذا تفعل، بحيث لو سُئلت عنه أمكنك الجواب.

س5:    هل معنى القصد شامل لجميع الأفعال؟

ج : نعم، هو شامل لجميع الأفعال الاختيارية القصدية أو المتعمدة.

س6:    ما ورد: من {أن الأعمال بالنيات} هل ينطبق عليه معنى القصد؟

ج : نعم، قد يفسر ذا المعنى من النية هذا القول،فيكون ( إن الإعمال بالنيات) أي بالقصود، فكل عمل لا قصد فيه فهو خال من النية.

س7: وما المراد من الهدف أو الاستهداف؟

ج : المراد هو : ما يقصده الفرد في عمله كنتيجة نهائية.

 س8:    هل يعني إن كان الهدف صالحاً فالنية صالحة و بالعكس؟

ج : نعم، هو كذلك بكل تأكيد.

س9 :   ما ورد: من إن {لكل أمرئٍ ما نوى} هل ينطبق عليه معنى الهدف أو الاستهداف؟

ج : نعم،فأن {لكل امرئٍ ما نوى} أي ما استهدف. فأن أستهدف خيراً رأى خيراً وإن  أستهدف شراً رأى شراً وعاد الوبال عليه.

س10: ما المراد من الباطن أو المحتوى الداخلي أو النفس أو القلب ؟

ج : المراد منه هو: صفاء الباطن أو صفاء النفس أو القلب.

س11: هل معنى ذلك: أن من كانت نفسه صافية وقلبه طاهراً فنيتهُ حسنة، ومن كانت نفسه خبيثة وقلبه غليظاً فنيته سيئة؟

ج : نعم، هو كذلك بلا شك.

س12: ما ورد: من أن {نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق شر من عمله} هل ينطبق  عليه هذا المعنى من النية أو الصفاء الباطني ؟

ج : نعم ينطبق عليه، لان العمل إنما يمثل المحتوى الداخلي للفرد، وهذا المحتوى أهم من  العمل بطبيعة الحال.

س13: ما هي مصاديق صفاء النية وحسنها في الأعمال ؟

ج : صفاء النية وحسنها يمكن أن يفسر بعدة تفسيرات غير متنافية، بمعنى إنها يمكن أن  تصدق جميعاً. وهي:

1- أن يكون العمل خالياً من قصد الإضرار بالآخرين، وبالنتيجة من ظلم الآخرين.

 2- أن يكون العمل خالياً من الأضرار بالنفس،بحسب الواقع سواء عرف الفاعل ذلك أو غفل عنه.

 3- أن يكون العمل خالياً من الهدف السيئ، ولو في المدى البعيد، سواء علم به الفرد أم لم يعلم .

 4- أن يكون العمل ناتجاً من قلب طاهر ونفس صافية.

 5- أن يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع المتزايد بالدنيا وحاوياً على درجة من درجات القناعة.

 6- أن يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع بالدنيا عموماً، وليس فقط بالشيء المتزايد منها، كما في الوجه السابق.

 7- أن يقصد الفرد بعمله تحصيل غفران الله سبحانه وتعالى لذنوبه وستراً لعيوبه.

 8- أن يقصد الفرد بعمله تحصيل رضوان الله سبحانه وليس الغفران فقط، كما في الوجه السابق، لوضوح إن درجة الرضوان أعلى من درجة الغفران.

س14: في الوجه الأول من الوجوه السابقة، لماذا عُدّ الإضرار بالآخرين ناتجاً من سوء النية؟

ج : ذلك لأن الإضرار بمن لا يستحق الضرر واضح الظلم، وقصد الظلم بمن لا يستحق لا يمكن أن يكون ناتجاً من حسن النية ؟

س15: في الوجه الثاني، كيف يمكن للفرد أن يكون قاصداً الإضرار بنفسه أو الظلم لها؟

ج : ذلك لأن عدداً من أعمالنا يبدأ ضررها بنا قبل أن يصل إلى الآخرين، ونحنُ قد لا نكون ملتفتين، فنكون ممن {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} ونكون كما قال عز وجل :{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ولأن النفس تحتاج إلى التربية والعناية، فكل عمل غير موافق لذلك فهو ظلم للنفس.

س16: في الوجه الثالث، لو كان الفرد عالماً بسوء هدفه فهل هناك فرق في الظلم فيما لو كان ملتفتاً أو غير ملتفتٍ؟

ج : إن كان عالماً بسوء هدفهِ ملتفتاً كان ظلمه أكبر، وان لم يكن عالماً ملتفتاً كان ظلمه أقل بطبيعة الحال.ومن هنا قال الشاعر:

إن كنت لا تدري  فتلك  مصيبةً           وإن كنت تدري فالمصيبةُ أعظمُ

س17: ماذا لو كان العمل خالياً من الاستهداف السيئ ؟

ج : إن كان الأمر هكذا، فذلك شكل من أشكال خلوص النية وحسنها بلا شك.

س18: في الوجه الرابع، هل يعني أن أصحاب النفوس الشريرة تكون كل أعمالهم غير نقيه وكل نياتـهم غير حسنة ؟

ج : هذا واضح الصحة بالتأكيد، وذلك لأن أعمالهم ونياتـهم ناتجة من نفوسهم تلك، فهي تمثلها وتعكس شرها بشكل أو بآخر.

 س19: في الوجه الخامس، هل يعني إن الفرد أن كان مستهدفاً للطمع المتزايد بالمال أو الجاه أو السمعة أو السيطرة،كان عمله غير متصف بخلوص النية ؟

ج : هو كذلك إن كان عمله ذاك خالياً من المصلحة العامة.

س20: وكيف يمكن إصابة المصلحة العامة ؟

ج : هذه المصلحة لا يمكن إدراكها إلا بعد المعرفة.

س21: في الوجه السادس، كيف يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع بالدنيا عموماً؟

ج : يكون ذلك بالاقتصار على ضروريات الحياة، والقناعة بها عن الباقي، لتكون النية خالصة، وكل عمل زاد على ذلك فهو عن نية سيئة.

س22: ماذا يتحصل من الاقتصار على القناعة بضروريات الحياة دون طلب الباقي؟

ج : القناعة لا يمكن أن تحصل عبثاً، وإنما تحصل لأجل الحصول على الجانب الآخر من الحياة بمعناها الأوسع، وهو الجانب الأخروي.

س23: الأعمال الحسنة والنافعة للنفس والآخرين عموما، هل هي مرضية لله سبحانه وتعالى؟

ج : نعم بالتأكيد، لأن الأعمال الحسنة والنافعة للنفس والآخرين هي من العبادات المرضية لله سبحانه وتعالى، ولكنه إذا قصد منها ذلك (أعني رضاء الله تعالى)  فستكون أفضل.

س24: هل أن كل الإعمال الحسنة والنافعة تعتبر من العبادات، وتصح بشرط قصد رضاء الله سبحانه وتعالى؟

ج : إن بعض الإعمال مرضيه لله تعالى، وتكون درجتها أعلى إذا قُصدَ منها رضاه جل وعلا، والبعض الآخر من الإعمال لا تصح إلا بقصد القربة، ويدونها تكون باطلة، وبالنتيجة غير مرضيه لله سبحانه تعالى.

س25: ما تلك الأعمال التي يشترط في صحتها قصد القربة ؟

ج : تلك الأعمال هي التي تسمى فقهياً بالعبادات بالمعنى الأخص.

س26: عرفنا من الأجوبة السابقة، إن الأعمال الحسنة تارة تشترط صحتها بقصد القربى (أي العبادات بالمعنى الأخص) وأخرى لا يشترط ذلك في صحتها، فما هو الدليل  على اعتبارها من العبادات مع أن الفقه لم يعتبرها كذلك ؟

ج : من الأدلة على ذلك: أن الأعمال الحسنه كلها مرضيه لله عز وجل، وإن لم يقصد بها القربة بالتفات تفصيلي، لما جاء بالقرآن الكريم من أن الله سبحانه وتعالى {َيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} و {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} و {يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} و{ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} وغير ذلك، ولم يعتبر أن يكون التطهير أو القسط أو الإحسان بقصد قربي أو إلهي ملتفت إليه، بل يكفي فيه ألاّ يكون بهدف سيئ أو نية مريبة. نعم، إذا كان القصد القربى ملتفتاً إليه بوضوح، كان العمل أفضل بلا إشكال.

س27: ما هو المراد من (قصد القربى)؟

ج : قصد القربى التي أشترطها الإسلام في العبادات لا بدّ أن نستبعد منها قصد التقرب المكاني و الزماني والدنيوي، وكل أمر ثبت بالدليل القطعي أن الله سبحانه وتعالى  يجل عن الاتصاف به. إذن فالقرب بهذه المعاني غير مقصود لا محالة، وكل من قصدها فقصده باطل، ومن ثم تكون عبادته باطلة لا محالة، فقصد القربى هو: (التقرب المعنوي)  إضافة إلى الجواب السابق.

س28: ما المقصود من القرب المعنوي من الله سبحانه وتعالى ؟

ج : يمكن انطباق معنى القرب من الجانب المعنوي على عدة أمور ذكرَ أكثرها الفقهاء المتأخرون منها:

 1- قصد الثواب الأخروي .

 2- خوف العقاب الأخروي .

3- قصد الشكر على نعم الله سبحانه وتعالى التي لا تحصى .

4- قصد التقرب المعنوي أليه سبحانه بالتكامل إلى المقامات العالية .

5- قصد امتثال أمره التشريعي في الكتاب و السنة .

6- قصد تطبيق العبودية لله سبحانه وتعالى .

7- قصد الحصول على رضاه أو رضوانه جل جلاله .

 إلى غير ذلك من القصود الصالحة .

س29: هل هناك مقاصد للقربى إذا قصدت في العمل العبادي أشكلت في صحته ؟

ج : نعم، هناك عدة مقاصد يمكن أن تكون تفسيراً لقصد القربى ،ولكن يشكل صحة العبادة بها، بل لا أشكال من فساد العبادة إن قصد بعضها، بالرغم أن بعضها أو الكثير منها هي مقاصد صحيحة بنفسها، ولكن لا ينبغي أن تكون دخيلة في العبادات بألمعنى الأخص.فمن ذلك ما يلي :

 1- قصد غفران الذنوب وستر العيوب.

 2- قصد الحصول على الثواب الدنيوي.

 3- قصد الحصول على الثواب المعنوي في الدنيا.

 4- قصد المصلحة الاجتماعية العامة.

 5- قصد دفع واجتناب البلاء الدنيوي.

 6- قصد دفع واجتناب البلاء المعنوي في الدنيا.

 7- قصد الشكر على نعمة معينة، فإنها تكون عندئذ ( صلاة شكر ) لا ( صلاة ظهر).

 8- قصد الحصول على نعمة معينة، كشفاء مريض أو عودة مسافر .

 9- قصد الحصول على أثر دنيوي معين، كالرياضة في الصلاة والتنـزه في الحج وتنظيم الجهاز الهضمي في الصوم.

س30: ما المراد من الثواب الأخروي والعقاب الأخروي ؟

ج : الثواب الأخروي هو أي درجة من درجات الجنة، و العقاب الأخروي، هو أي درك من دركات جهنم .

س31: وما المراد من الثواب الدنيوي والبلاء الدنيوي ؟

ج : الثواب الدنيوي مادي ومعنوي، أما الثواب المادي فهو سعة الرزق وإطالة العمر. وأما الثواب المعنوي في الدنيا، فهو صفاء النية ونور الوجه وحسن ظن  الآخرين بالفرد.

والبلاء الدنيوي كذلك مادي ومعنوي، أما البلاء المادي فهو الذي ينـزل أو يحصل عادة كعقاب مؤقت على الذنوب كالمرض أو الفقر. وأما البلاء المعنوي  في الدنيا،فهو سوء السريرة وظلام القلب أو الوجه أو سوء ظن الآخرين به .

س32: هل القاصد من عبادتهِ هدفاً معيناً حصل عليه ؟

ج : نعم هو كذلك، و لا يكون مستحقاً لما فوقه. فلو قصد من عبادته سعة الرزق، أتسع رزقه ولم يكن له ثواب الآخرة، ومن قصد في تأليف كتاب السمعة، حصل له ذلك ولم يكن له الثواب الأخروي وهكذا. لأنه يقال له في يوم القيامة {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}.

س33: إذا كان الأمر كذلك وهو الصحيح بلا شك، فبماذا تنصحون المؤمنين ؟

ج : من الأرجح للفرد المؤمن أن يدع مقدار ثوابه على عمله الصالح موكولاً إلى رحمة الله سبحانه التي وسعت كل شيء والتي لانهاية لها،كما لانهاية لكرمه  سبحانه ولا مانع لعطائه.

 س34: فيما ورد من {أن الله سبحانه لا ينظر إلى صوركم بل ينظر إلى قلوبكم}.ما هو التفسير الأرجح لهذا الحديث ؟

ج : تفسير ذلك: بما أن لظاهر الإنسان عبادته و معاصيه أمام الله سبحانه وتعالى، فكذلك المحتوى الداخلي للفرد له أيضاً طاعاته ومعاصيه أمام الله سبحانه وتعالى، بل هي أهم من الطاعات المعاصي الظاهرية كما سنعرف. فالطاعات الظاهرية: هي إطاعة الأوامر والمرجحات الشرعية الظاهرية، كالصلاة والصوم والصدق. وغيرها كثير. والمعاصي الظاهرية: هي عصيان تلك الأوامر و النواهي، كشرب الخمر والكذب والغيبة والزنا. أما الطاعات الداخلية أو الباطنية: فهي ما يخص العمل النفسي أو القلبي للإنسان، وليس له أثر مباشر على الجسد. كالإخلاص والصبر والتوكل والتوحيد وغيرها . والمعاصي الداخلية: هي ما يقابل ذلك، كالحسد والجشع والرغبة في الحرام والشرك وغير ذلك. وإذا عرفنا أن العبادات الظاهرية، تنتج من الفرد كفرد ذي نفس وقلب وعقل (أي إنها ناتجة من المحتوى الداخلي للإنسان) لذا فقد أصبح المحتوى الداخلي سبباً والعقل الظاهري مسبباً. ولا محالة في أن العمل الظاهري يتحدد ويتأقلم بأقليم المحتوى الداخلي للفرد، كالحرارة تـزيد عند زيادة النار وتضعف عند قلتها، فكذلك الصلاة مثلاً، قد تصدر بإخلاص قوي وقد تصدر بإخلاص ضعيف، كما قد تصدر بخشوع كثير وقد توجد بخشوع قليل، وهكذا. إذن فالجزء الأهم والاوكد من العمل (سواء على مستوى الطاعات أو مستوى المعاصي) إنما يتحدد بالباطن (أي أن العمل الظاهري مهما رأيناه لطيفاً محترماً فإنما يتحدد بالباطن) وهو ما أشير له في الحديث بـ (القلب) فيكون المعنى: {أن الله لا ينظر إلى ظاهركم بل ينظر إلى باطنكم}.

 

                فصــل االثاني

العبــادة

 

س35:  هل بإمكان العقل البشري إدراك الحكمة من الأوامر الإلهيـة؟

ج : إن في الشريعة ما هو واضح الحكمة لنا وما هو غامض لا ندرك حكمته، فإن كان واضح الحكمة  فالأمر به إنماهو للحصول على تلك الحكمة المطلوبة، ولا إشكال في ذلك. وكذا إذا كان فيه درجة من الغموض. إلاّ أن الأرجح فيه ذلك (أي فيه حكمة معينة قد تخطر على البال) فإننا إن قبلناها كان ذلك كافياً، وإلاّ أمكن التسليم بالحكمة الألهية، وبقصور العقل عن إدراك الواقعيات التي سبقت التشريع تفصيلاً.

س36: إذا لم يتمكن العقل من إدراك أو إحتمال أي حكمة في العمل ، فهل معنى ذلك خلو العمل من الحكمة؟

ج : الأمر ليس كذلك قطعاً، وإنما العمل قد يكون غامض الحكمة بحيث لا يمكن إدراكها. أو قل: إن عقولنا تدرك إن مثل هذه الصفة أو تلك قد لا تكون فيها حكمة على الأطلاق، ومن الصعب تصور وجود أية حكمة.

وعليه, فالنقص في الإدراك لا في نفس العمل.

س37: هل يمكن تطبيق ذلك القول على بعض الأمور الشرعية؟

ج : نعم، فمن تطبيقات ذلك أعداد الركعات في الصلاة، حيث من الصعب تصور لماذا كانت صلاة المغرب ثلاث ركعات والعشاء أربع، بل من الصعب أن نتصور بإدراكنا وجود حكمة في ذلك.

س38: إن وجود الحكمة في العمل إنما وجدت من أجل أن يدركها العقل البشري لكي يطلبها. وإلاّ فإن ذلك سيكون على خلاف الحكمة الإلهية؟

ج : عدم إدراك الحكمة أو صعوبة تصورها لا يخل بالحكمة الإلهية المطلقة, وإنما يجاب على ذلك على عدة مستويات:

المستوى الأول: إن ما يكون صعب التصور لنا قد يكون هو الصحيح في الحكمة الإلهية، بعد أن نؤمن بأن الحكمة الإلهية أزلية وكاملة. 

ومن هنا فقد تكون هناك مصالح في أعداد الركعات مثلاً لآ ندرك وجودها (أي وجود حكمة في هذا العمل بصورة كلية) فضلاً عن ماهيتها, أي معرفة نوع تلك الحكمة إجمالاً أو تفصيلاً.

المستوىالثاني: إن هذا ما يسمى فقهياً أو أصولياً (أن المصلحة في الأمر لا في المأمور به) فتكون أعداد الركعات من هذا القبيل.

المستوى الثالث: إن التربية الأيمانية كما قد تكون على أمور محدودة وأهداف وحِكم معلومة، كذلك قد تكون على تربية الفرد وعلى الطاعة العمياء (لو صح التعبير) والتعبد المطلق أو التسليم الكامل للشريعة، وإن من الضروري للفرد أن لا يتسائل عن علل الشريعة وحكمها، بل شغله فقط هو الإمتثال مع التعبد والتسليم، فأن {دين الله لايصاب بالعقول} كما ورد.

س39: هل إن تعبد الفرد والتسليم للشريعة يُعد كمالاً له، أم الأفضل له إدراك المصلحة والحكمة من العمل؟

ج : إطاعة الشريعة والتسليم لها يُعد من الدرجات العالية في الطاعة المنتجة لدرجة عالية من الثواب المعنوي. وهذا بلا شك هو الأكمل. بل العارفين يجردون أعمالهم كلها عن مثل هذه المناقشات,ويعتبرون الطاعات كلها خلال التسليم والتعبد أو الطاعة العمياء. فحتى لو أدرك العقل حكمة للتشريع أو أكثر، فلعل الله سبحانه أراد حكمة أخرى، أو هدفاً أعلى غير مُدرك لعقولنا، بل لا ينبغي أن يكون لنا شغل بالتساؤل عن الحكمة والأسباب، بل هو من سوء الأدب أمام الله سبحانه، بل هو من الشك في الحكمة الإلهية، والعياذ بالله. وإنما يلجاء الفرد إلى مثل ذلك في مستويات دانية من المعرفة والإيمان. ولعل محاولة الأعداء لإخراج المسلمين من دينهم وتشكيكهم بعقائدهم هي التي أشاعت أمثال هذه التساؤلات، التي هي أقرب للكفر والنفاق منها إلى الإسلام والإيمان.

س40: هل معنى ذلك هوإجتناب أو إهمال ما يكشف الله سبحانه للفرد من المصالح والحكم في الأوامر والنواهي، أو المأمور به والمنهي عنه، فيما إذا وصل الفرد إلى درجة عالية من الكمال؟

ج : كلا، فهذا الذي يكشفه الله للفرد لا إشكال فيه، ولا ينبغي إهماله أوإجتنابه. وإنما الذي يجب الإجتناب عنه هو التساؤل عن الحكمة مع عدم إدراكها.

س41: هل يسوغ للفرد الذي يصل إلى تلك المرتبة إبلاغ أو تعليم ما أعطاه الله لغيره من الناس؟

ج : هناك قول لأحد العارفين مؤداه :

هذه رحمــة  الله  وسعتـكم                  فوسعوا على طالبيها ولا تبخلوا

لكن ذلك مشروط بمراعات القاعدة القائلة: (إذا كسرته فعليك جبره) وهيهات الجبر بعد الكسر.

الفصل الثالث

الصلاة

 

س42: ما هي حقيقة الصلاة التي يمكن أن ندركها؟

ج : إن للصلاة غير هذه الصورة، إذ أن الصلاة الظاهرية هي قشر ومجاز، وإنما صورتها الحقيقية هي لُبّها وباطنها.

وهذا معلوم وله شواهد كثيرة من طريق النقل. نذكر منها ما يلي:

أولاً  : الحديث المشهور: {الصلاة معراج المؤمن} ومن التفكر والتدبر في هذا الحديث الشريف تنفتح أبواب وتنقشع حجب نحن محرومون منها, وتستفاد بيانات معنوية سامية.

ثانيـاً: عن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال: {إن الناس يعبدون الله عز وجل على ثلاثة أوجه؛ فطبقة يعبدونه رغبة في الثواب فتلك عبادة الحرصاء، وهو الطمع. وآخرون يعبدونه خوفاً من النار فتلك عبادة العبيد، وهي الرهبة. ولكني أعبُدُه حباً له عز وجل فتلك عبادة الكرام، وهو الأمن لقوله عز وجل: {وهم من فزع يومئذٍ آمنون} ولقوله عز وجل: {قل إن كنتم تحبون الله فإتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} فمن أحب الله عز وجل أحبه الله تعالى، ومن أحب الله كان من الآمنين}.

ثالثـا ً: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : {إعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك}.

رابعـاً: قول المعصوم عليه السلام: {الصلاة قربان كل تقي}.

خامساً: وقولهم عليهم السلام: {الصلاة عمود الدين}.

سادساً: قوله صلى الله عليه وآله: {إن الرجُلين من أُمتي يقومان في الصلاة وركوعهما وسجودهما واحد وإن ما بين صلاتيهما مابين السماء والأرض}.

س43: ما الذي يمكن أن نفهمه من الحديث الأول؟

ج : إن الصلاة هي المنهاج الذي يوصل إلى الله عز وجل  (أعني الصلاة بحقيقتها).

س44: ما المقصود من قول الأمام الصادق عليه السلام في الحديث الثاني: {ولكني أعبُدُه حباً له عز وجل}؟

ج : هذه المرتبة من المراتب العالية في الكمال التي لا يمكن الوصول إليها إلاّ بعد التطهير والتجرد عما سوى الله.

س45: وما هو الفهم الذي يمكن أن يؤخذ من الحديث الثالث؟

ج : يشير الحديث إلى مقامات حضور القلب، وأهمها مقامين:

المقام الأول: التذلل والخشوع بين يدي الله الناظر إليك في مقامك.

المقام الثاني: أول مراتب الفناء عن الخلق بالحق.

س46: ماهي النتائج التي يمكن أن نستخلصها من الكلام السابق؟

ج : إن التأمل في أقوال المعصومين عليهم السلام والتفكر فيما يطرأ عليهم من أحوال من إرتعاد الفرائص وتغير اللون والغشية والغفلة عما سوى الله حتى عن أبدانهم ووجودهم في وقت أدآء هذه الفريضة، يبين لنا حقيقة هذه العبادة الإلهية، التي رتبت بالكشف العروجي المحمدي، لإستخلاص الأنوار الإلهية من الطبيعة الضيقة التي خُزنت في قلبه المقدس، بأنها ليست هذه الشعيرة الصورية الدنيوية والهيئة الظاهرية.

لأن هذه الصورة بشرطها وكمالها الصوري متيسر لكل فرد يعرف المسائل الشرعية، وكل عّامِي تعلم الأبجدية، ويُخرج ما في عهدته ويُبرىء ذمته، ولا يحتاج إلى هذا المقدار من تغير الألوان وإرتعاد الفرائص والغَشية.

س47: هل يمكن الزيادة في بيان ذلك؟

ج : نبين ذلك بصورة عامة لمن ألْقى السمع وهو شهيد:

 جاء في الحديث: إن َرجُلاً من الإشقياء سأل الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام في محضر المنصور عن الصلاة وحدودها، فقال عليه السلام: {للصلاةِ أربعة الآف حدّ لستَ تفي بواحدٍ منها}، فقال: أخبرني بما لا يحل تركه ولا تتم الصلاة إلاّ به. فقال عليه السلام: {لا تتم الصلاة إلاّ لذي طهر سابغ وتمام بالغ غير نازغ ولا زائغ، عرف فأخبت فثبت، وهو واقف بين اليأس والطمع والصبر والجزع، كأن الوعد له صُنع والوعيد به وقع، بذل عرضه وتمثل غرضه، وبذل في الله المهجة وتنكب إليه المَحَجة غير مرتغم بارتغام يقطع علائق الإهتمام بعين من له قَصَدَ وإليه وفد وعنه إسترفد، فإذا أتى بذلك كانت هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.. الخ}.

فلو كانت هذه الحدود الأربعة آلاف من الحدود الظاهرية والآداب الصورية لم يَقُل: {لست تفي بواحدٍ منها} لأنه من المعلوم إن كل واحد يستطيع أن يقوم بالآداب الصورية للصلاة، ولكن الإنقطاع عن غير الحق والوفود على حضرته وبذل المهجة في سبيله وترك الأغيار بالمرة من الصعب أن تتيسر لكل أحد، إلاّ لأهل المعارف الإلهية والعارفين الكاملين والأولياء الصالحين ومن يخطي خطاهم.

س48: هل يمكن للفرد أن يكون مصداقاً لقول الإمام عليه السلام؟

ج : إعلم؛ إنه لا يخفى أن روح العبادة بحظور القلب وتوجهه، وبدون ذلك لا تكون أي عبادة مرضية للذات الأحديةٍ ومورداً لنزول اللطف والرحمة وتكون ساقطة عن درجة الإعتبار.

كما أن كمال الموجود ونقصه ونورانيته وظلمانيته يكون بصورته النوعية وكماله الأخير. وأن الميزان في كمال الإنسان ونقصه بكمال النفس الناطقة ونقصها، التي هي نَفَسْ الرحمن ونفحته والروح المجرد من مكمن الأمر للإنسان: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}.

فكذلك مطلق العبادات, وبالخصوص الصلاة التي هي التركيبة القدسية التي ركبها وسواها الحق تعالى بِيَدَي العلم والقدرة والجلال والجمال،والأمانة التي أشفق من حملها جميع الموجودات وحملها الإنسـان، يكون كمالهـا ونقصانها ونورانيتها وظلمانيتها مرتبطة بروحها الغيبي ونفحتها الإلهية التي تُنفح فيها بواسطة النفس الناطقة الإنسانية.

وكلما كانت مرتبة الإخلاص وحضور القلب اللذين هما سّر تَقُوم العبادة أكمل  يكون الروح فيها أطهر وأنور، وكمالها أكثر، وصورتها الغيبية أصفى وأنقى.

ولهذا كان عمل الأولياء عليهم السلام أكمل. فهذا الكمال إنما كان بواسطة الجهات الباطنية، وإلاّ فصورة العمل ليس لها الأهمية الكبيرة.

س49: هل يمكن إعطائنا شاهد على ذلك؟

ج : إليك هذا: إن نزول عدة آيات من السورة المباركة  {هَلْ أَتَى} مثلاً في مدح علي عليه السلام وأهل بيته الطاهرين لم تكن بسبب إعطاء قرص من الخبز والإيثار به، بل كان للجهات الباطنية ونورانية ذلك العمل، كما أشار إلى ذلك في الآية الشريفة، حيث قال: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً}.

بل إن ضربته التي هي أفضل من عبادة الثقلين لم تكن بصورتها الدنيوية بحيث لو صدرت من غيره لكانت أفضل أيضاً (وإن كان نفس العمل بلحاظ موقعه) حيث إن تقابل الكفر والإسلام في بالغ الأهمية حينئذٍ، ولعل الأمر لولا تلك الضربة كان سيؤول إلى تمزق وحدة جند المسلمين.

ولكن العمدة هو في فضيلتها، وكمال عمله عليه السلام إنما كان بسبب حقيقة الخلوص وحضور قلبه عليه السلام ورؤية كيانه فانياً في الحقيقة الإلهية في إتيان هذه الوظيفة: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}.

س50: نفهم من ذلك إن حضور القلب ليس في العبادة فقط، وإنما هو مطلوب في جميع أحوال الفرد؟

ج : نعم هو كذلك، باعتبار أن العبادة هي ثناء على الحق وبالتالي القرب من الله سبحانه، فإذا كانت أحوال الفرد طِبقاً لهذه الصفة ، فسيكون في جميع أحواله عابداً له ومتقرباً منه. إذن فلا بدّ له من اخلاص النية وصفاء القلب.

س51: كيف يكون حظور القلب في العبادة، وما هي مراتبه؟

ج : إن العبادات مطلقاً هي الثناء على المقام المقدس الربوبي، وهذا الثناء على مراتب ترجع كلياً إلى الثناء على الذات والثناء على الأسما والصفات، أو الثناء على التجليات تنزيهاً أو تقديساً أو تمجيداً، وليست عبادة من العبادات بحسب الحقيقة خالية عن مرتبة ثناء المعبود.

بناءً على هذا، تكون أول مرتبة لحضور القلب في العبادات (حضور القلب في العبادة إجمالاً) وهي ميسورة لكل فرد. وحضور القلب في العبادة هو: ان يُفْهِم الفرد قلبه أنه في مقام الثناء على المعبود، ويوجه قلبه من أول العبادة إلى آخرها (إلى هذا المعنى إجمالاً) وإن كان هو لا يعلم كيفية ثنائه وإنه بأي شيء ومع أي شيء يثني على الذات المقدسة، وإن هذه العبادة هل هي ثناء الذات أو ثناء الأسماء أو غيرها، وهل هو ثناء تقديس أو تحميد، ومثله كمثل الشاعر يمدح احداً بقصيدته، ويُعلم طفلاً إن هذه القصيدة هي لمدح فلان، ولكن الطفل لا يدري كيف مدح الشاعر الممدوح، وبأي شيء مدحه، ولكنه حين قرآءته القصيدة يعلم إجمالاً إنه يمدحه، وإن لم يعلم تفصيلاً.

إذن، فأول مرتبة لكمال العبادة أن يُحضر قلبه في العبادة بأنه يثني على الله تعالى بما أثنى به الحق على نفسه.

أما المرتبة الثانية من حضور القلب فهي: حضور القلب في العبادة تفصيلاً، وهو: أن يكون قلب العابد في جميع العبادة حاضراً وعالماً بماذا يصف الحق وكيف يناجيه. ولـه مراتب ومقامات تتفاوت بعضها عن بعض، على حسب تفاوت مقامات القلوب ومعارف العابدين.

س52: ذكرتم في المرتبة الثانية من الجواب السابق: إن مراتب حضور القلب تتفاوت بتفاوت مقامات القلوب، فهل يمكن توضيح ذلك؟ وهل يمكن للفرد الإحاطة بجميع أسرار العبادات؟

ج : اعلم؛ أن الإحاطة التفصيلية بجميع أسرار العبادات، وكيفية المدح والثناء في كل منها لا يمكن لأحد، سوى الأصفياء الكاملين.

ولكن كما قيل: (لا يُترك المعسور بالميسور) فعلى الفرد أن يسعى دائماً لطلب الدرجات العالية، لأن (الله كريم لا بخل في ساحته) فيعطي حسب إستحقاق الفرد، بل ربما في بعض الأحيان يعطي أكثر من الإستحقاق لما ورد في الحديث القدسي: {من تقدم لي شبراً تقدمت له ذراعاً ومن تقدم لي ذراعاً تقدمت له باعاً}.

أما مراتب حضور القلب ومقامات القلوب، فأن لكل طائفة مرتبة نذكرها بطريق الإجمال:

الطائفة الاُلى: طائفة لا يعلمون من الصلاة وغيرها من العبادات غير الصورة والقشر والهيئة الملكية، ولكن يفهمون المفاهيم العرفية للأذكار والأدعية والقراءة.

وحضور القلب عندهم: أن يُحضروا وقت الذكر أو القراءة مفاهيمها في القلب، فتحضر قلوبهم عند المناجاة مع الحق.

المهم أن لا يقيدوا الحقائق بالمعاني العرفية التي يفهمونها فحسب، ولا يظنون أن العبادة ليست لها حقيقة سوى هذه الصورة. فإن هذه العقيدة إضافة إلى تخالف العقل والنقل تضر الإنسان ضرراً كبيراً وتقنعه وتوقفه وتمنعه من السير العلمي والعملي.

حيث أن من أعمال الشيطان أن يُشغل الفرد بما لديه ويرضيه به، ويُسيء ظنه بسائر الحقائق والعلوم والمعارف، ويصل من خلال هذا إلى نتائج غريبة.

الطائفة الثانية: طائفة يفهمون حقائق العبادات والأذكار والقراءة بالقدم العقلي الفكري، فيعلمون مثلاً بالبرهان الفكري كيفية رجوع جميع المحامد إلى الحق، أو أنهم يعلمون حقيقة الصراط المستقيم أو حقيقة معاني سورة التوحيد التي هي أصول المعارف.

ولكن كل ذلك بقدم الفكر، ولا مدخلية للعمل أو العقل العملي بها، من حيث أن الحكمة هي: (العمل بالعلم) وبتعبير آخر فإن الحكمة هي: (معرفة الحقيقة والعمل بها).

وحضور القلب لهم: أن تحضر قلوبهم تفصيلاً عند ذكر هذه الحقائق والمحامد، ويعلمون ما يقولون وكيف يثنون على الحق ويحمدونه.

الطائفة الثالثة: طائفة أدركوا الحقائق بقدم الفكر وكتبوها بقلم العقل على لوح القلب، وقد عَرَفَت قلوبهم تلك الحقائق بقدم العمل وآمنت بها. لأن ثَمةَ فرق كبير بين مرتبة الإيمان القلبي والإدراك الذهني.

فكم من أمر أدركه الفرد بالذهن وأقام البرهان على ما أدركه، ولكنه لم يصل إلى مرتبة الإيمان القلبي، وإلى المرتبة الكاملة منه، وهي الإطمئنان، ولم يتوافق قلبه مع عقله في ذلك.

مثلاً: إننا نعلم باليقين إن الأموات لا تضر ولا تنفع، وليست لها أية حركة فلو جُمعت أموات العالم فلا يمكن أن تضرنا قدر بعوضة، ومع ذلك وبسبب عدم ورود هذا الأمر اليقيني على لوح القلب، لم يحصل التوافق بين العقل والقلب في هذا الحكم، ويغلب حكم الوهم على الذهن في مملكة الوجود.

مع ذلك يستوحش الفرد ويخاف من الأموات، خصوصاً في الليل وفي الخلوة، مع أن العقل يحكم بأن ظلمة الليل لا تؤثر في شئ، وكذلك الخلوة ليست لها أي تأثير، والأموات لا تضر، مع ذلك كله يتجنب حكم العقل ويمشي على قدم الوهم.

ولكنه لو مشى وفق حكم العقل وبات مع الأموات في المواقع الموحشة الخالية فسيوصل حكم العقل إلى القلب، ويوافق بين القلب والعقل، فيحصل له بالتدريج الإطمئنان ولا يرتجف قلبه بوجه، ويقدم على الأمر بشجاعة مرات ومرات.

فكذلك حال الحقائق الدينية والمطالب البرهانية اليقينية، فإن الإدراك العقلي فيها غير الإيمان والإطمئنان القلبي. وطالب الحق والباحث عن الحقائق مالم يصل إلى هذه المرتبة بالمجاهدة العلمية والعملية والتقوى الكاملة لم يكن صاحب قلب، وتحصل المرتبة الأولى التي هي من اللطائف الإلهية، ولم يخلع بخلعة الإيمان.

وعلى مقتضى الحديث الشريف: {الصلاة معراج المؤمن} و {الصلاة قربان كل تقي} فمن الممكن أن يصل الفرد إلى مرتبة الإيمان والتقوى وتكون صلاته معراجاً وقرباناً، ولا يكون سائراً إلى الله أصلاً، بل هومقيم في بيت النفس لم يبرح.

الطائفة الرابعة: طائفة أوصلوا هذه الحقائق إلى القلب، بل إلى كمال الإطمئنان القلبي بالكشف والشهود، فأدركوا الحقائق بالعين الملكوتية والبصيرة القلبية الإلهية، مشاهدة حضورية بالحضور العيني.

وحضور القلب لهم: صيرورة القلب حرم الله وبيته الذي وسعه: {ماوسعني ارضي ولاسمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن} فيكون في حال العبادة متقلباً في الأحوال.

الطائفة الخامسة: طائفة هي أعلى الطوائف وأكملها، ولها مراتب يخرج تفصيلها عن مجال هذه الوريقات.

س53: ذكرتم في الطوائف الأخيرة مصطلحات، فما المعنى الذي ينطوي ورائها؟

ج : تلك العبارات أو المصطلحات إشارة إلى حضور القلب بالجمعية الإلهية الكاملة، التي توصل إلى مشاهدة الحقائق الّلاهوتية التي تكون صورة العبادة كاشفة عنها، والأسرار التي تكون وأوضاع وحالات العبادة وأقوالها ومظاهرها، فتنكشف الحجب السبعة بالتكبيرات الإفتتاحية السبعة، فتنكشف سبحات الجلال والجمال إنكشافاً مناسباً لمراتب القلوب.

س54: هل حضور القلب منحصر في ما ذكرتم من الطوائف؟

ج : بلا شك إن الكمال نحو الحق لا متناهي، فإذا وصل الفرد إلى مقام وبلغ كماله إنفتح له باب المقام الذي يليه، فذكر المقامات و المراتب في الطوائف السالفة يمكن أن تكون مجملة ينطوي فيها مقامات ومراتب أخر إلى اللانهاية، فليس هناك انحصار، إذ طريق الكمال لا نهاية له ولا يقف عند حد.

نعم، الوقوف هو للفرد الذي يطوي تلك المراحل، فإن توقف عند مرحلة كان توقفه هذا نهاية الطريق بالنسبة إليه، ولذا ذكرنا الطوائف وعدّدناها بذلك العدد فكانت المقامات مختلفة بأختلاف الأفراد ومراتبهم ليس إلاّ.

س55: هل يمكن معرفة مقامات ومراتب حضور القلب بصورة مجملة؟

ج : هذه المراتب بطريق كلي وبصورة مجملة ثلآث:

أحدهما: حضور القلب بالتجلي الفعلي للمعبود، وهو عبارة عن علم الفرد بقدم الفكر والبرهان إن من منتهى النهاية للحقائق المجردة العقلية إلى آخر التنزلات لحقيقة الوجود تعينات للوجود المنبسط الذي هو الفيض الإشراقي والتجلي الفعلي للحق. وهذا التجلي هو مقام العلم الفعلي للحق الذي هو نفس الحضور في المحضر الربوبي.

 

س56: نطلب الزيادة في توضيح هذا المطلب؟

ج : اعلم؛ إن أصل هذا المطلب هو: إن العلم الفعلي للحق بالموجودات تفصيلاً هوالفيض المقدس، فإذا حصل هذا للفرد تتحصل له المرتبة الأولى من حضور القلب في المعبود، وهي أن يكون في جميع الأوقات وخصوصاً وقت العبادة الذي هو وقت الحضور ملتفتاً إلى أن العالم جميعه محضر ربوبي، وجميع الموجودات هي نفس الحضور في المقدس، وإن الحركات والسكنات والعبادات والطاعات والمعاصي كلها تقع في محضر الحق وحضرته المقدسة.

س57: إذا تحصل للفرد ذلك فما الذي يكون عليه؟

ج : إذا حصلت له هذه العقيدة صدقاً، إمتنع عن المخالفة فطرةً، بمقتضى الفطرة الإلهية التي فطر الناس عليها، وهي: إحترام المحضر وحفظ الحضور، لأن إحترام المحضر وأدب الحضور من الفطرة لإلهية، خصوصاً إذا كان المحضر هو محضر الكامل من جميع الجهات. فإحترام كل جهة مكتوب على وجه الإستقلال في كتاب الفطرة الذي هو أفصح الكتب الإلهية.

س58: الفطرة واحدة في جميع الأفراد، فمن أين حصل التفاوت بينهم؟

ج : التفاوت والإختلاف ناتج عن تفاوت الدرجات وعدم المحافظة على أدب الحضور مع العلم بهذه الحقيقة، وذلك لأن علمنا لم يتجاوز حدّ الإدراك والعقل ولم يصل إلى مقام الإيمان والقلب (كما ذكرنا في أجوبة سابقة).

وإلاّ فالكل مجبول ومفطور على الموافقة بالخلقة، وكل فرد في أصل خلقته منطوي على تلك الجوهرة الإلهية. ولكن يبقى التساؤل عمن (علم وعمل) للوصول إلى جوهرها.

ثانيهما: حضور القلب في التجلي الفعلي في مرتبة الإيمان والإطمئنان، التي تحصل من تذكر الحق في السّر والعلن، ومن مناجات ذاته المقدسة والخلوة معها، عندئذ تزداد نوراية العبادة.

وبعد المداومة والرياضة والتذكر والعشق بالحضور والخلوة والتضرع والإنقطاع التام بتجاوز مرتبة الإطمئنان والعرفان والوصول إلى مرتبة الشهود والعيان. فيتجلى الحق لسر القلب بالتجلي الفعلي المناسب لمقام القلب، فيجد لذّة الحضور ويعشق الحق، فيغفل عن العبادة بلذّة فيض الحضور، فيحتجب عن نفسه وعن العبادة، ويفنى عن العالم ويشتغل بالتجلي الفعلي إلى أن يصل إلى حدّ التمكين والخروج عن التلوين، ويظهر بالتدريج نموذج من التجليات الأسمائية. مضافاً إلى ذلك فإن له مراتب ومقامات كثيرة تعجز الطاقة البشرية عن الإحاطة بكلياتها, فكيف بجزئياتها!.

 س59: ماهي فلسفة ذلك ؟

ج : اعلم؛ أن إنموذج تلك المقامات هو: أن الإنسان الكامل هو مراتب الإسم الجامع والمربوب للإسم الأعظم، فيمكن له أن يكون جامعاً لجميع التجليات الأسمائية جمعاً وفرقاً.

فبطريق الفرق تكون للأسماء الإلهية الكلية وهي (ألف إسم) تجل