(حقيقة الصلاة) القسم الثاني

كتبهاالشيخ مهدي يونس ، في 4 آذار 2006 الساعة: 16:13 م

س59: ماهي فلسفة ذلك ؟

ج : اعلم؛ أن إنموذج تلك المقامات هو: أن الإنسان الكامل هو مراتب الإسم الجامع والمربوب للإسم الأعظم، فيمكن له أن يكون جامعاً لجميع التجليات الأسمائية جمعاً وفرقاً.

فبطريق الفرق تكون للأسماء الإلهية الكلية وهي (ألف إسم) تجلٍ على قلبه جمعاً، فيمكن أن يكون لكل من الأسماء مزدوجاً بأسم أو بأسمين أو أسماء ثلاث، وهكذا إلى آخر الأسماء.

وكذلك المراتب المتصورة للتركيبات الإسمية لهذه الأسماء الألف الكلية على حسب الترتيب، تجلٍ على قلبه.

وأيضاً إن قلب الإنسان الذي هو قابل لهذه التجليات، هو بنفسه مَظهراً لجميع الأسماء، وبالطريق الكلي مَظهراً لألف إسم، فتختلف التجليات له بإعتبار مظهريته لكل من الأسماء جمعاً وتفريقاً، وفي مراتب الجمع على الترتيب الذي ذكرناه.

ولا بدّ أن يقال لمثل هذا العدد: إنه خارج عن مجال الإحصاء: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} والحديث المروي عن المير المؤمنين عليه السلام: {علمني رسول الله صلى الله عليه وآله عند وفاته ألف باب من العلم، ينفتح من كل باب ألف باب} لعله أشار إلى التجليات الفرقية.

وثالثهما: حضور القلب بالتجليات الذاتية، وهو يلي التجليات الإسمية، وهي آخر مرتبة القلب في المعبود، ولها مراتب عديدة، وحيث إننا محجوبون عن أكثرها إقتصرنا على ذكرها مجملاً.

س60: هل يمكن بيان المؤثرات الأولية لحضور القلب؟

ج : الأفضل والأهم في ذلك: أن يكون الفرد بصدد معالجة النفس، وإذا كانت يده قاصرة عن الوصول إلى نيل جميع مراتب الحضور، فلا أقل أن يصرف همته في تحصيل بعض مراتبه.

وليعلم؛ إن منشأ حضور القلب في أي عمل من الأعمال وسبب إقبال النفس عليه وتوجهها إليه، أن يتلقى القلب ذلك العمل بالعظمة ويعدّه من المهمات، هذا وإن كان واضحاً ولكنه يكون أوضح بذكر مثالاً له:

إذا أجاز لك السلطان الحضور في محضره العظيم، وجعلك مورداً للتوجه والتلطف بحضرة الجميع، فحيث إن هذا المقام عظيم في قلبك، ويتلقاه القلب بالعظمة والأهمية. فلهذا يحضر قلبك بتمامه في ذلك المحضر ويحافض على جميع خصوصيات المجلس ومخاطبات السلطان وحركاته وسكناته، ويكون قلبك حاضراً في المحضر في جميع الأحوال ولا يغفل عنه ولو للحظة.

وعلى خلاف ذلك إذا كان المخاطب غير مهم، ويراه القلب تافهاً، فلا يحصل لك حضور القلب في المكالمة معه، وتكون غافلاً عن حالاته وأحواله.

ومن هنا يُعلم السبب في عدم حضور قلوبنا في العبادات وغفلتها عنها، فنحن لو أهمّتنا المناجاة للحق تعالى ومناجات ولي نعمنا بمقدار ماتهمنا المكالمة مع مخلوق عادي ضعيف لما حصل لنا هذا القدر من النسيان والغفلة والسهو.

ومن المعلوم جداً إن هذا التساهل والتسامح ناشئ من ضعف الإيمان بالله تعالى وبالرسول وبأخبار أهل البيت، بل هذه المساهلة ناشئة من التساهل بالمحضر الربوبي ومقام القدس للحق تعالى.

فلو علم الفرد العواقب والمعايب لهذا التساهل وراح ينبه القلب بذلك فإنه سيكون في صدد الإصلاح لا محالة، ويعالج نفسه البَّته.

س61: نود فهم كيفية التوصل إلى إفهام القلب وتنبيهه؟

ج : من الواضح أن الفرد إذا لم يتلقَ أمراً بالأهمية والعظمة، فسينجر الأمر بالتدريج إلى تركه. وترك الأعمال الدينية يوصل إلى ترك الدين.

كما أن الإنسان إذا أفهم القلب أهمية العبادات والمناسك، إنصرف عن هذه الغفلة والتساهل، وينتبه عن هذا النوم الثقيل. فإذا تفكر الفرد قليلاً في حالاته وراجع أخبار أهل بيت العصمة وشمر ذيل الهمة عن ساقيه، وفَهَّم النفس بالتفكر والتدبر، أن هذه المناسك وخصوصاً الصلاة وبالأخص الفرائض منها، سبباً للسعادة والحياة في العالم الذي يسعى إليه، والذي جعله الحق للخُلَص من عباده، ومنبع الكمالات ورأس مال الحياة. كل ذلك لا يكون إلاّ في ذلك المستوى.

وبحسب الروايات والبراهين ومشاهدة أصحاب الكشف والعيان: إن لكلٍ من العبادات المقبولة صوراً غيبية بهية، وتمثالاً ملكوتياً يصاحب الإنسان ويرافقه في جميع النشئآة الغيبية، ويساعده في جميع الشدائد، يجعله متين الأساس الذي ستبتنى عليه باقي الكمالات.

وكل ذلك تابع لحضور القلب وإقباله في جميع الأحوال التي تَمُر على الفرد (سواء العبادية منها أو الإجتماعية) والعبادة التي لا يؤتى بها بتوجه من القلب وإقبابه ساقطة عن عين الإعتبار، وغير مقبولة لجناب الحق جلّ وعَلا.

س62: هل يمكن إتحافنا ببعض النصوص المؤيدة لهذا القول؟

ج : نذكر بعض الآيات والأحاديث وستكون وافية إن شاء الله في هذا المقام لمن الْقى السمع وهو شهيد:

قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} وقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} نكتفي بهاتين الآيتين المباركتين من القرآن الكريم.

 وأما من السنة الشريفة فنذكرما يلي:

فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {إعبد الله كأنك تراه فأن لم تكن تراه فإنه يراك}. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: {إن من الصلآة لما يقبـل نصفها وثلثها وربعها وخمسها (إلى العشر) وإن منها لما لفَّ

كما يُلف الثوب فيُضربُ بها وجه صاحبها. وليس لك من صلاتك إلاّ ما اقبلت عليه بقلبك}. وعن باقر العلوم عليه السلام, قال رسول الله صلى الله عليه وآله: {إذا قام العبد المؤمن في صلاته نظر الله إليه (أو قال: أقبل الله عليه) حتى ينصرف، وأظلته الرحمة من فوق رأسه، يقول: أيها المصلي! لو تعلم من ينظر إليك ومن تناجي ما إلْتَفت ولآزِلتَ من موضعك أبداً}.

فأهل المعرفة يكفيهم هذا الحديث الشريف. فما في إقبال الحق هذا إلى العبد من الكرامات والأنوار ما يعلمه غير الله، ولا تستقيم له عقول البشر، ولا يخطر على بال أحد.

وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام: {إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: طوبى لِمَن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينسى ذكر الله بما تسمع اُذُناه، ولم يحزن بما اُعطِيَ غيره}.

وعن الصادق عليه السلام في قول الله عزوجل: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} قال: {السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه} قال: {وكل قلب فيه شك أوشرك فهو ساقط، وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة}.

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: {كان علي إبن الحسين عليه السلام إذا قام الى الصلاة تغير لونه، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يَرْفَض عرقاً، وكان عليه السلام إذا قام في الصلاة كأنه ساق شجرة لايتحرك إلاّ ما حركت الريح منه}.

وعن أبي حمزة الثمالي رضوان الله عليه قال: رأيت علي بن الحسين عليه السلام يصلي فسقط ردائه عن منكبه فلم يُسَوِه حتى فرغ من الصلاة ، فسألته عن ذلك فقال: {ويحك أتدري بين يديّ من كنت، إن العبد لاتقبل منه صلاة إلاّما أقبل فيها} فقلت: جُعِلت فداك هلكنا! فقال: {كلا إن الله متمم ذلك للمؤمنين بالنوافل}.

س63: عرفنا إن حضور القلب يؤدي إلى كمال العبادة، فكيف كان للقلب كل هذا التأثير؟

ج : إعلم؛ أن لكل عبادة أثراً يحصل في القلب، قد عُبر عنه في بعض الروايات (بزيادة النقطة البيضاء أو توسعها). ولا بدّ أن يُعلم : إن بين ظاهر الإنسان وباطنه وبين سره وعلنه ربطاً و علاقة طبيعية، بحيث تكون لآثار كل أفعاله وحركاته سراية عظيمة في الآخرة.

وهذا المطلب مضافاً إلى أنه مطلب برهاني، فالوجدان والعيان أيضاً شاهدان عليه. فإن حالات صحة البدن ومرضه والعوارض المزاجية والحالات الداخلية والخارجية مؤثرة في الروح، وكذلك العكس، فإن الحالات الخلقية والروحية والملكات النفسية مؤثرة في الحركات والسكنات والأفعال البدنية طبعاً (أي بطبيعتها) ومن غير رَوية.

س64: ما الذي يستنتج من هذا؟

ج : نستنتج من ذلك: إن لكل عمل (سواء خيراً أم شراً) تاثيراً في النفس، إما أن يوجهها إلى عالم  الدنيا وزخارفها، ويحجبها عن الحق والحقيقة، ويدنيها إلى مراتب الحيوان والشياطين. أو يوجهها إلى العوالم الأسمى، ويجعل القلب إلهياً، ويكشف له حجب الظلمة والنور، ويجعلها مرتقية إلى مراتب الروح ومُقَرَبّي الحضرة.

وهذه الأفعال العبادية والمناسك الإلهية مضافاً إلى أن بها صوراً غيبية بهية ملكوتية تشكل الجنة الجسمانية، كذلك توجد في الروح أيضاً ملكات وحالات تكون مبدءاً للجنة المتوسطة والجنات الأسمائية.

وهذا من أسرار تكرار الأذكار والأعمال، لأن الّلسان إذا كرر ذكر الله ينفتح بالتدريج لسان القلب، فيكون القلب أيضاً ذاكراً، كما إنه من ذكر القلب ينفتح الّلسان أيضاً ويكون ذاكراً.

س65: هل تتحصل هذه النتائج العظيمة دون إعتبار حضور القلب أم لا؟

ج : تلك النتائج لا تحصل من العبادات ولا تنتج فيها إلاّ إذا كان القلب حاضراً وقت العبادة والدعاء والذكر خصوصاً، وسائر الأعمال والأقوال عمومـا، ولا يكون للأعمال تأثيراً في الروح بوجـه، إذا

كانت مع غفلة ونسيان القلب.

ولهذا نرى إن عباداتنا طوال هذه السنين لم تؤثر في قلوبنا أثراً ولا تزيد كمالاً لأرواحنا، بل تزيد ملكاتنا الفاسدة كل يوم. وهذه الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي معراج المؤمن وقربان كل تقي، لم توصلنا إلى مقام ولم تحصل لنا مرتبة من مراتب الصفاء، وكل هذا بسبب تقييد هذه العبادة بأفكارنا وأوهامنا، فصرنا نحن المؤثرين وهي المتأثرة لا العكس.

س66: ذكرتم فيما سبق تأثير اللسان على القلب وبالعكس، فما هو الملاك في ذلك؟

ج : سنوضح ذلك بما يلي:

إن الفرد في حال الذكر لا بدّ أن يكون كمن يُمَرِن طفل على التكلم ويُلقنه ليتكلم، فكذلك على الفرد أن يُلقن القلب الذكر، وما دام الفرد ذاكراً باللسان ومشغول بتعليم القلب فظاهره يساعد باطنه.

فإذا إنفتح لسان القلب فسيساعد اللسان بالذكر، فيكون الباطن مساعداً للظاهر. كما أن تلقين الطفل أيضاً كذلك, فما دام يلقنه بالكلام فهو يساعده، وإذا أجرى الطفل ذلك الكلام على لسانه فيدب في الفرد نشاط يُذهب بالتعب السابق ويحفز على بذل جهد أكبر.

وإذا واظب الفرد في الصلاة والأذكار والأدعية على هذا الترتيب مُدة فإن النفس تعتاد على ذلك، وتكون الأعمال العبادية كالأعمال الإعتيادية لها لا تحتاج لحضور القلب فيها إلى إعمال الرَوية، بل تكون مثل الاُمور الطبيعية البسيطة المعتادة.

س67: ما هي العوامل التي تعين الفرد على حضور القلب؟

ج : هي في الصلاة أمور كثيرة، بل في مطلق العبادات، وعلى طريق الإجمال نذكر منها مايلي:

أولاً: أن يقوم الفرد بقطع الشواغل الداخلية والخارجية، التي أهمهاالشواغل القلبية. والسبب الرئيسي للشواغل القلبية منحصرة في حب الدنيا كما ورد: {حب الدنيا رأس كل خطيئة}.

فإذا كان هم الفرد تحصيل الدنيا والوصول إلى زخارفها فيتوجه القلب بالفطرة إليها، وتكون هي الشغل الشاغل له، فإذا إنصرف عن بعض الأمور الدنيوية يكون التوجه إلى الأخرى.

وفي هذه الحال يكون مثل القلب كالطائر يطير على الدوام حول الشجرة من غصن إلى غصن، فما دامت شجرة الأمل للدنيـا وحبها قائمـة في القلب على ساقهـا فالطائر (القلب) متعلق على أغصانها.

فإذا قُطِعَت أغصان هذه الشجرة واحداً بعد واحد بالرياضات والمجاهدات والتفكر في عواقب الدنيا ومعايبها والتدبر في الآيات والأخبار وحالات أولياء الله ومن ثم السير العملي لتحقيق ذلك، يسكن القلب ويكون مطمئناً ويمكن أن يوفق للكمالات النفسانية التي من جملتها حضورالقلب بجميع مراتبه. وإلاّ فبمقدار ما يبقى من الأغصان يبقى القلب متردداً بينها.

وهذا الأمر ممكن إلى حدٍّ مّا، بالإقدام عليه وصرف الهمة إليه. وإلاّ فترك الدنيا بالكلية لا يتأتى لكل أحد، إلاّ للرجال الآحاد، وهم أندر من الكبريت الأحمر، وخصوصاً في هذا العصر.

على كل حال، تقليل التعلق والإنشغال وإسقاط الأغصان ممكن جداً لمن أراد، بل يمكن القول: إنه وفي هذا الزمن أمرمتيسر. ولكن مَنْ يختارالطريق؟!

س68: لولا الدنيا لما أمكن العمل للآخرة، فكيف نوفق بين هذا الأساس وبين الحث على ترك الدنيا؟

ج : ما ذُمَّ على لسان الأولياء ليس هي الدنيا بنفسها، أو قل: عالم الشهادة. وإنما هو التعلق بالأمور الدانية وطول الأمل المبعدة عن الحق.

وإلاّ فالأصل إن الدنيا جيدة جداً وخير محض إن كانت موصلة للآخرة، إذ هي مَهد تربية الأولياء والعرفاء والعلماء بالله، ودار تكميل النفوس القدسية البشرية ومزرعة الآخرة، ومنزلها من أشرف المنازل للأولياء والحكماء.

س69: هل التعلق بالدنيا سبب في إقبالها؟ وكذا التعلق بالآخرة؟

ج : من المعلوم قطعاً إنه ليس للعلاقة دخل في إقبال الدنيا أو الآخرة وحصولها للفرد. فرُب ذوي علاقة بالدنيا وهم فقراء لم يكن لهم من الدنيا سوى فسادها ونكباتها، وأشخاص بلا علاقة وهم ملوك، قد جمعوا بين الإثنين ونالوا سعادة الدارين. كما أشار إلى ذلك المعنى الإمام زين العابدين عليه السلام بقوله: {الدنيا دنياوان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة}.

س70 : ماهي أشد الأمور تأثيراً على الفرد في إبعاده عن طريق الكمال؟

ج : هي أمور كثيرة منبعثة عن شيئين:

أحدهما: الشيطان، القاطع لطريق الوصول، يصرف الفرد عن الحق ويحرمه لذة المناجاة ويسود القلب ويكدره.

الآخر: حب الدنيا (كما عرفت) فهي الأساس في كل الشرور، حيث ورد: {حب الدنيا رأس كل خطيئة}.

ثانياً: إن الفرد بعد ما قلل الشواغل القلبية فلا بدّ له أن يقلل الشواغل الخارجية أيضاً، بالمقدار الممكن، ولعل أكثر الآداب الشرعية إنما وجدت لأجل هذه الفائدة، كالنهي عن الألتفات إلى الأطراف واللعب بالأصابع واللحية وفرقعة الأصابع ومدافعة الأخبثين والريح ومدافعة النوم، والنظر إلى نقش الخاتم وإلى المصحف والكتاب، والإستماع للكلام الخارجي، وحديث النفس، وسائر الآداب المكروهة التي ذكرت في آداب الصلاة.

والضعيف الذي يتفرق فكره في الشواغل فعلاجه: قطع أسباب تلك الشواغل، بأن يغض بصره، أو يصلي في بيت مضلم، أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه، أو يقترب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره، ويحترزمن الصلاة في المواضع الكثيرة الشواخص أو الكثيرة النقوش المفروشة المزينة. حيث كان بعض العُبّاد يتعبدون في مكان صغير مظلم سعته بقدر ما يمكن الصلاة فيه لتقليل الشواغل الخارجية.

س71: هل ما ذكرتم شامل لجميع الصلوات؟

ج : إن هذه الصفات المذكورة لا ينبغي أن تؤخذ بالعموم على جميع الصلوات. فمثلاً: الصلاة في بيت مضلم لا يكون في الفرائض اليومية، وذلك لأن الإتيان بها جماعةً من السِنَن المؤكدة، بل الفرد إذا قام بوظائف الجماعة وأسرارها فقد أرغم الشيطان إرغاما لا يتمكن منه في أي عبادة, وإن في إجتماع المؤمنين وإجتماع قلوبهم التي هي اليد  الغيبية الإلهية, معها فوائد روحية ومعنوية قَلَمَا تتفق في عمل آخر، مظافاً إلى المصالح العامة والإجتماعية التي تتوافق معها، بل الأفضل لأهل المناجاة وأصحاب القلوب الصلاة بالجماعة، حيث أن حفظ أعداد الركعات فيها مُحَّول إلى الغير، فيوجهون قلوبهم بكليتها إلى الحق وإلى مناجاته. نعم، ما ذكر من الصفات إذا كان في غير الفرائض، وخاصة صلاة الليل أفضل وأكمل، لكون إشتغال النفس فيها يكون أقل.

س72: ما ذكرتم من الاُمور فهل تكون الخلوة ملائمة للفرد؟

ج : إعلم؛ إن بين قلوب الأفراد إختلافاً وتفاوت، بإختلاف أحوال كل منها، بحسب الأحوال والأوقات، فلا بدّ للفرد أن يحافظ على قلبه, كطبيب معالج وممرض شفيق، وأن يدقق في أحواله فإذا كانت الخلوة مناسبة لأحواله، يأتي بالعمل في الخلوة، وإن كان الإشتغال بالشواغل في الخلوة أكثر يقوم بالعبادة دونها.

الفصل الرابع

سر الطهارة

 

س73: وفق ما مرّ من الأجوبة عرفنا إن ما من شئ إلاّ وله عدة وجوه من المعاني أو المراتب. فما مراتب الطهارة؟

ج : لا يخلو شئ (أي شئ) من مراتب، كثرت أو قلّت، فكذا الطهارة أيظاً لها مراتب منها:

أولاً: الطهارة للصلاة الصورية وصورة الصلاة، فلها الطهارة الصورية ، وصورتها بالماء المطلق الذي هو سر الحياة، وبالصعيد الذي هو منتهى التجليات لأهل المعرفة.

ثانياً: طهارة أهل الإيمان، وهي طهارة الظاهر من أرجاس المعاصي ومن إطلاق الشهوة والغضب.

ثالثاً: طهارة أهل الباطن، وهي التنزيه عن القذارات المعنوية والتطهير عن كثافات الأخلاق الذميمة.

رابعاً: طهارة أصحاب الحقيقة، وهي التنزيه عن الخواطر والوساوس الشيطانية والتطهير من أرجاس الأفكار والآرآء الضالة المضلة.

خامساً: طهارة أرباب القلوب، وهي التنزيه عن التلوينات والطهارة من التقلبات والتطهير من الاحتجاب بالعلوم الرسمية والمصطلحات.

سادساً: طهارة أصحاب السّر، وهي التنزيه عن الإجتناب عن المشاهدات.

سابعاً: طهارة أصحاب المحبة والمجذوبين، وهي التنزيه عن التوجه إلى الغير والتطهيرعن الحجب الخلقية.

ثامنــاً: طهارة أرباب الصحو بعد المحو وأصحاب التمكين، وهي التنزيه عن التلوين بعد التمكين والتطهيرعن غلبة بعض التجليات على بعض.

تاسعـاً: طهارة أصحاب الولاية، إضافةً على التطهير عن رؤية المقامات والمدارج والتنزية عن الأغراض والغايات الغيرية إلى آخر مقام الولاية الذي طهارته التنزيه عن تعينات التجليات الذاتية والأسمائية والصفاتية، فلهم جميع أنواع الطهارة مُحَققة.

س74: ماهي صفة الطهارة الجمعية لأهل الولاية؟

ج : صفة الجمعية الطهورية لأهل الولاية: إن ظاهرهم طاهر من جميع القذارات الصورية، وحواسهم طاهرة عن الأخلاق فيما لا يحتاج إليه، وأعضاؤهم طاهرة عن التصرف فيما يخالف رضا الحق، وأرواحهم طاهرة بموافقة إرادته سبحانه وتعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

س75: ما هو مصداق الطهارة في نفسها؟

ج : للطهارة عدة مصاديق، نذكر منها:

الأول: نورانية النفس، كما ورد: {الوضوء على وضوء نور على نور}.

الثاني: التنزه عن الدنس والباطل، قال تعالى: {إني مُتَفيكَ ورافِعُكَ إلَيّ ومُطَهِرُكَ مِنَ الذينَ كَفَرُوا}.

الثالث: التنزه عن الإثم وما لا يجمل، قال تعالى: {أخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إنَهُمْ اُنَآسٌ يَتَطَهَرُون}.

الرابع: طهارة الأخلاق ونقائها من السوء والنفاق.

الخامس: طهارة القلب، وهذا قولـه تعالى: {ذلِكُمْ أطْهَر لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُبِهُنّ}.

السادس: الطهارة التي تحصل بالتوبة.

السابع: الطهارة التي تحصل بالعلو عن الماديات، كالملائكة والأرواح العليا.

س76: قد أوردتم موارد متعددة لمعنى للطهارة، فهل نفهم من ذلك إن هنالك صلاة خاصة لكل مورد؟

ج : هو كما قلت، إذ أن صلاة أهل الله بطهارة خاصة، وبدونها لايمكن التوصل الى تلك الصلاة، ولا تكون الاّ لهذه الصلاة، كما قال عز وجلّ: {لآيَمَسهُ الاّ المُطَهرُون}. فلا يمس ظاهره إلاّ أهل الطهارة الظاهرية، ولا يمس باطنه إلاّ أهل الطهارة الباطنية.

فلا يصل أحد إلى صلاة أهل الباطن إلاّ إذا غسل يده ووجهه من عين الحياة القلبية ومسح بفضله من الرأس إلى القدم، من أول محل الإدراك إلى منتهى آلة التحريك. فيهئ نفسه طاهرة مطهرة بكليتها في حضرة الحق. 

س77: هل يمكن بيان العلاقة بين الطهارة الظاهرية والطهارة الباطنية؟

ج : اعلم؛ وفقك الله إن الله تبارك وتعالى حيث لم يهمل الطهور الظاهر وتنظيف القشر وطهارة اللباس والبدن، المتعلقة بأدب أهل الدنيا وأهل الظاهر، وجعل النظافة من الإيمان، ولم يهمل الآداب الظاهرية التي هي أعم من أن تكون راجعة إلى المعاشرات والمعاملات أو راجعة إلى الآداب الظاهرة للبدن الذي هو قشر الإنسان وليس له دخل في الحقيقة الإنسانية بوجه، بل تكون راجعة إلى ملابسات البدن التي لا ترتبط بالإنسانية أصلاً. كاللباس والمكان والماء وأمثالها. وجعل طهاة كل منها إما شرطاً لتحقق الصلاة أو شرطاً لكمالها.

فمن غير الممكن أن يهمل طهارة القلب وتنظيف الباطن وتنزيهه من القذارات المعنوية التي لا تقاس بالقذارات الصورية، وتكون سبباً للهلاك الأبدي والظلمة والكدورة والضغطة الدائمية.

أو أن يهمل طهارة لباس التقوى الذي هو خير الألبسة، من التلوث بقذارات تجاوز الحدود. وطهارة العقل من التلوث بقذارات الآراء الفاسدة والعقائد المهلكة.

بل يظهر من الرجوع إلى الكتاب الإلهي وأخبار الأنبياء والأولياء وآثارهم، إن الإهتمام بتطهير الُّلب أكثر منه بتطهير القشر، بل جميع الأعمال والأفعال الظاهرة إنما هي مقدمة لتطهير القلوب. كما أن تطهير القلوب هو مقدمة لتكميلها.

فعن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: {إلاّ مَنْ أتى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} قال: {السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه} وقال: {كل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط. وإنما أراد بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم في الآخرة}.

وعن أبي جعفرعليه السلام قال: {ما من عبد إلاّ وفي قلبه نقطة بيظاء فإن أذنب ذنباً خرج من تلك النقطة نقطة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك، وإن تمادى في الذنوب زاد في السواد حتى يغطي البياض، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً} وهو قوله عز وجل: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.

وبالجملة، فالحديث القائل: {إن الله لاينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم} يحتم على الفرد أن يقوم بالمهمات بكل عِدّة وعُدّة وبكل رياضة ومجاهدة، ويُخَلِص نفسه من قبحها وعارها، ويطهر قلبه من القذارات المعنوية والأوساخ الخلقية.

فإنه إن قام في المحضر الربوبي دون ذاك التطهير فلا ينال غير صورة الصلاة وقشرها ولا ينال سوى التعب والمشقة. قال تعالى: {إنَما يَتقبَل الله مِنَ المُتَقِين} فإن التقوى مطلقاً من شرائط قبول الصلاة. وتقوى الباطن تطهيره من ذمائم الأخلاق، كالكِبر والحسد والغفلة والكسل وأمثالها من الشرائط الواقعة في طريق قبول الصلاة في نظر أهل المعرفة وأهل الباطن.

وهكذا حسب مراتب التقوى إلى الدرجة النهائية منها بالنظرة الإنسانية، حيث إنها لا نهائية بالنسبة إلى النظرة الإلهية.

س78: قد شاع بين العامة، بل والخاصة وخصوصاً في هذه الأيام الذم الفاحش والإنكار على من يشير (ولو إشارة) إلى مثل هذا الكلام، وإتهامه بالفسق، والخروج عن جادة الحق (كما يعبرون) وإتهامه بإتهامات كان من المفروض أن توجه إلى أهل الكفر والعصيان (وما أكثرهم) فما هو قولكم لهم جزيتم خيراً؟

ج : أقول: من الأمور التي ينبغي بل يجب التنبيه عليها، ولا بدّ للمؤمنين وخصوصاً أهل العلم كثر الله أمثالهم أن يلتفتوا أليها: إنهم إذا شاهدوا أو سمعوا كلاماً أو فعلاً من بعض أصحاب الباطن فلا يرموهم بالفساد والضلال، لمجرد أن الفعل أو القول غير مأنوس لآذانهم وأفهامهم، أو إنه مبني على إصطلاح خاص كالعبادات المتداولة بين أهل المعرفة، ولايهينوا أهله أو يحقروهم ولا يتهموا كل من تفوه ببيان مراتب الأولياء ومقامات العرفاء، وتجليات الحق والعشق والمحبة وأمثال ذلك، الرائجة في مصطلح أهل ذلك الفن، بإنه مُنكر ومخالف للشرع، وإنه إنما يظهر المحاسن بادئ الأمر ومن ثم يُعَلم المؤمنين والمريدين ما هو مخالف للحق، وبإنه مروج لدعاوى الصوفية، أو كلامه من دون برهان عقلي أو حجة شرعية.

وخيراً لهم أن يكونوا كما قال إبن سينا: (كل ما قرع سمعك فذره في ساحة الإمكان حتى يذودك عنه ساطع البرهان). ولا يكونوا مصداقاً لقولـه تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.

وليعلموا؛ أن كلام هؤلاءِ وأفعالهم نوعياً إنما هو شرح لما بينه القرآن الكريم والحديث. ومثال ذلك قريب، فليحاولوا أن يتفكروا في الحديث الوارد عن صادق أهل البيت عليهم السلام في القلب السليم، ولينظروا هل يقبل الحمل على غير الفناء في الذات الإلهية وترك النفس والنفسانية والإنية والأنانية المذكورعلى لسان أهل المعرفة؟!

وكذا التدبر في المناجاة الشعبانية لأمير المؤمنين عليه السلام، وخصوصاً في قولـه: {إلهي هب لي كمال الإنقطاع اليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها اليك، حتى تمزق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك}.

وقولـه عليه السلام: {فلاحظته فصعق لجلالك} فما المقصود من التعلق بعز القدس؟! وهل ذلك الصعق إلاّ الصعق المذكور على لسانهم؟!.

وما هي حقيقة الحديث الشريف: {ما تقرب إليّ عبد من عبادي بشئ أحب إليّ مما أفترضت عليه، وإنه يتقرب إليّ بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت إذاً سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق بويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته}.

فإلى من توجه هذا الكلام؟ لنـا؟! أم لغيرنا وجد؟! سبحان الله!!

فألقوا السمع وكونوا من الشاهدين وأنظروا إلى قول الإمام السجاد عليه السلام:

وإني لأكتم من  علومي جوهراً              لو أبوح به  لقالوا يعبد الوثنا

ولإستحل رجال مسلمون دمي              يرون أقبح ما يفعلونه حسنا

س79: ماهي نصيحتكم لطلبة العلم خاصة وللناس عامة؟

ج : وفق ما سرنا عليه، لا خاصة ولا عامة. فالكلام موجه إلى الجميع:

فأقول مستعينا بالله: أطرد وساوس الشيطان عن صدرك، ولا تقنع بما أنت عليه، وتحرك قليلاً وتجاوز من القشور والصور إلى الّلب والباطن، وإجعل ذمائم أخلاقك وحالاتك النفسية تحت المطالعة والمحاسبة، واستأنس بكلمات أئمة الهدى عليهم السلام وأقوال الأولياء العارفين فإن فيها الخير الكثير وفوق ما يخطر في ذهنك. فإن لم تكن على إتصال بهم فإتبع الأعاظم من علماء الأخلاق الحائزين على إطمئنانك القلبي.

فلعلك تخرج من هذا التكابر بإذن الله سبحانه وتعالى، ولا تضيع عمرك بالإنشغال والغفلة، فإنك إن رحلت عن هذا العالم بهذا الحال، فلن تأخذ معك سوى الحسرات والندمان والظلمات التي لا تنتهي.

فتنبه من نومك، وإفلت من حب النفس وإتباع الأهواء وإهتدِ إلى الصراط المستقيم الموضوع للحقيقة الإنسانية الذي لا مفازة إلاّ به، متوكلاً في جميع ذلك على خالق الخلق الآخذ بناصيتهم محسناً الظن به، فقد قال سبحانه وتعالى: {أنا عند حسن ظن عبدي بي فإن خيراً فخير وإن شراً فشر}. جعلنا الله وإياكم من الهادين المهديين.

 

 

 

سرّ التطهير بالماء والتراب

 

س80: ما السر الكامن في الماء والتراب الذي لأجله جُعلا طاهران مطهران وسبباً لصحة العبادات المشترط فيها الطهور؟

ج : أما الماء فلأنه سرالحياة التي هي أصل العلم لمشاهدة الحي القيوم، قال تعالى: {وَأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ مَاء لِنُحيي به} وقال: {ويُنَزِلُ عَلَيكُمْ مِنَ السَماءِ ماءً لِيُطَهِرَكُمْ بِه ويُذْهِبَ عَنْكُمُ رِجْزَ الشَيْطَان}.

وأما التراب، فلإنه أصل نشأة الإنسان. قال تعالى: {مِنْها خَلَقْنَاكُم} وقال: {فإن لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَمُوا صَعِيدَاً طَيبَاً}.

وذلك حتى تفكر في ذاتك، لتعرف من أوجدك، ومم أوجدك، ولم أوجدك، وماذا يريد منك. فترفع التكبر من رأسك وتخضع له, لأن التراب هو الأصل في الذلة والمسكنة.

س81: هل يمكن بيان ذلك بتفصيل أكثر؟

ج : اعلم؛ إن أصل الماء الرحمة الإطلاقية في الوجود. قال عز وجل: {وجَعَلْنَا مِنَ المَاء كُلَ شئٍ حَي}. وعن الصادق عليه السلام: {فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله}.

وذلك الأصل هو التجلي الذاتي بلا تعلق شئ أو تعين. فالفرد الطالب للحق إذا وجد الطريق إلى تجلي الفيض الإطلاقي ومشاهدة الحق بلا تحديدِ مثالٍ. فيطهر بذلك التجلي مقادم وجوده للوصول إلى مقام القرب. كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وضوء المعراج.

ولا يتوجه إلى الصعيد الذي هو أصل التقييد والتحديد.

وأن لم يجد ذلك وفقد ماء سر الوجود فيطهّر في مرآة التعلق والتعين الصعيدي والتجلي التقييدي بعض المّحال من وجوده ليشاهد سر الوجود في كسوة التقييد فـ{إن الماء أحد الطهورين} و {رب الماء هو رب الصعيد} قال سبحانه: {هُوَ الّذي في السَمَاءِ إلهٌ وَفي ألأرْضِ إله}.

فسّر الوضوء هو إضمحلال الكثرات في عين الجمع، والتيمم رؤية الوحدة في كسوة الكثرة، وسر هذا السر في الوضوء : رؤية الذات ونفي الغير {هُوَ الأوَلُ وَالآخِرُ وَالظَاهِرُ وَالباطِنُ}. والتيمم رؤية الذات في كسوة الغير {لو دلّيتم الى الأرض السفلى لهبطتم على الله}.

وبالجملة، فالوضوء غسل اليد والوجه عما سواه {إلاّ مَنْ أتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

والتيمم رؤيته في مرآئي الأشياء {ما رأيت شئً الاّ ورأيت الله معه أو فيه} و {داخل في الأشياء لا كدخول شئ في شئ}.

وأيضاً الوضوء التطهير بالماء قبل التنزل، والتيمم تطهير به بعد التنزل.

ولهذا صار أحد الطهورين بمقتضى سراية حكم الباطن إلى الظاهر، وحكم الغيب إلى الشهادة.

وكذا هو تطهير من النقائص والحدود {مَا أصَابَكَ مِنْ حَسَنةٍ فَمِنَ الله وَمَا أصَآبَكَ مِنْ سَيئةٍ فَمِنَ نَفْسِك}. والتيمم رجوع النقائص بالعرض إلى الحق {قُلْ كُلٌ مِنْ عِنْدِ الله}. فتدبر!

س82: كان الكلام فيما سبق في سر الماء والتراب والطهارة بهما إجمالاً. فهل يمكن الكلام في ذلك تفصيلاً؟

ج : نعم، نقول: ورد عن الصادق عليه السلام إنه قال: {إذا أردت الطهارة والوضوء فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله، فإن الله قد جعل الماء مفتاح قربه ومناجاته ودليل الى خدمته، وكما إن رحمته تطهر ذنوب العباد، فكذلك النجاسات الظاهرة لا تطهر إلاّ بالماء، قال الله سبحانه وتعالى: {وَما أنْزَلْنا مِنَ السَماءِ مَنْ ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَ مِنْ كُلِ دَآبَةٍ}. فكما أحيا به كل شئ من نعيم الدنيا، كذلك بفضله ورحمته جعل حياة القلوب بالطاعات والتفكر في صفاء الماء ورقته وطهوره وبركته، ولطيف إمتزاجه بكل شئ وفي كل شئ. فإستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها، وأتِ بآدابها، فرائضه وسننه، فإن تحت كل واحد منها فوائد كثيرة، إذا إستعملتها بالحرمة إنفجرت لك عيون فواءده عن قريب.

ثم عاشر خلق الله تعالـى كإمتزاج المــاء بالأشيـــاء، يؤدي كل شئ حقه ولا يتغير عن معناه معتبراً بقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: {مثل المؤمن الخالص كمثل الماء}.

وليكن صفاؤك مع الله في جميع طاعاتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء طهورا، وطهر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء}.

فإذا أردت الطهور المطلق والخروج عن قيود حجب الألفاظ والعبارات فتوجه نحو الماء النازل من سحاب الرحمة بقشرك وطهر القذارات الصورية وقم بآداب فرائضه وسننه.

وتوجه بالماء النازل من سماء الرحمة الغفارية إلى باطنك وطهر قذارات المعاصي بالقيام بآداب فرائضه وسننه التي قالها أمير المؤمنين في باب التوبة.

وتوجه بالماء النازل من سماء المشيئة إلى قلبك وطهر قلبك من القذارات القلبية والكدورات المعنوية.

وتوجه بالماء النازل من سماء الأحدية إلى روحك وطهر قذارات التوجه إلى الغير والغيرية.

وتوجه بالماء النازل من سماء الأحدية المطلقة إلى سرك وطهر قذارات رؤية الكثرة.

وتوجه بالماء النازل من سماء الهداية وطهر رؤية المقام، فلا مقام الاّ مقامه ولاحاظر الاّ هو.

وإلى هذا المقام تنتهي طهارة السائرين وطهورهم، وبعد هذا يكون طهور أهل الوصول، وهو نتيجة قرب الفرائض، وهو يشرع من الباطن ويَطََّلع على القلب ويُختم في ملك البدن. ولكل فرد من أهل الوصول طهوره الذي يختص به.

س83: هذه المستويات والمقامات هل هي ممكنة لكل فرد؟

ج : كل شئ ممكن بالنسبة إلى الإنسان، بل لكل الموجودات، ولكن لا يتحقق الاّ بقوة الإستعداد المنتج لإستحقاق تلك المراتب والمقامات.

س84: في حديث الإمام الصادق عليه السلام المار الذكر، ذُكر التفكر على عدة مستويات، فهل يمكن التعرف على بعض تلك المستويات وفوائدها؟

ج : أمر الإمام عليه السلام بالتفكر في الجهات المختلفة للماء، وجعل كل تفكر وسيلة للإرتقاء إلى مقام من المقامات. كالتفكر في إحيائه وصفائه ورقته إلى غير ذلك من الصفات.

أما فائدة ذلك التفكر هو: تطبيق ذلك على مراتبك ومقاماتك، فأطع أمر المولى عليه السلام وإجعل جميع الجهات الصورية وسيلة للإرتقاء إلى المقامات المعنوية.

فاحي ظاهرك بإستعمال الطهور وابعد الكسل والفتور والنعاس ببركته من نفسك، وصفِّ صورتك وتوجه إلى بساط القرب بطهر طاهر مطّهر.

واحي أعضائك بطاعة مولاك، واحي باطنك بحياة الفكر في المبدأ والمنتهى والمنشأ والمرجع، واحي قلبك بحياة الإيمان والإطمئنان، واحي سرك بحياة التجليات الأفعالية والأسمائية والذاتية بمراتبها.

وتفكر في صفاء الماء، وإمش لمولاك بقدم الصدق والصفاء، وتحقق على مراتب الإخلاص، وعاشر عباد الله أيضاً بالإخلاص، واترك إجراء إرادتك المستقلة في طريق الحق والخلق، وتفكر في لطف إمتزاج الماء بالأشياء فإن إمتزاجه لإصلاح حالها وإيصالها إلى كمالها اللائق بها وإحيائها.

فالتكن كيفية معاشرتك ومعاملاتك مع العباد أيضاً بهذا النحو. وإنظر اليهم بعين اللطف والإصلاح، وكن في صدد إصلاح ظاهرك وباطنك وإحيائه، وكن هادياً للضالين، وإنْهَ أهل العصيان عن المعصية لأجل إصلاح حالهم لا لأجل إنفاذ إرادتك.

فإذا كان تطهيرك مقترناً بالتفكرات المذكورة فستنفجر لقلبك عيون المعارف والحكم. حسب ما وعد الأمام عليه السلام في الحديث، وتهتدي إلى أسرارالطهارة وحقائقها، وتلتفت بالعنايات الغيبية والرياضات النفسية معانيها، فتصير بذلك لائقاً للوصول إلى مقام القرب وبساط الأنس المتمثل في وقوفك وتوجهك في الصلاة.

سر الوضوء

 

س85: نوعاً ما عرفنا أن لكل شئ سر، ولكل سر سر، فإذا تفكرنا في أفعال الوضوء نحصل لامحالة على سره. فهل يمكن فتح باب يتأتى لنا من خلاله الدخول والولوج في أسرار الوضوء؟

ج : اعلم؛ أنه روي عن الأئمة الأطهار عليهم السلام: {إن آدم لما مشى إلى الشجرة وتوجه إليها وتناولها فوضعها على رأسه طمعاً في الخلود وإعظاماً لها، أمرت هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس بأن يطهروا هذه المواضع بالمسح أو الغسل ليتطهروا من جنابة الأب الذي هو الاصل}.

واعلم؛ أن آدم عليه السلام كان في جنة اللقاء في حالة الجذبة، ولم يكن متوجهاً إلى شجرة الطبيعة، ولو كان باقياً بتلك الحالة لسقط عن الآدمية، ولم ينل سيره الكمالي الذي لا بدّ له من نيله في القوس الصعودي ولم يُبسط بساط الرحمة بهذا العالم. فتعلقت الإرادة الأزلية ببسط بساط الرحمة والنعمة في هذه النشأة، وفتح أبواب الخيرات والبركات وإخراج الجواهر المخزونة في نفوس عالـم الملك وأرض الطبيعــة وإخراج أثـقـالها {وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقَلَها}.

وهذا الأمر لم يحصل في سُنََّة الله إلاّ بتوجه آدم إلى الطبيعة وخروجه من ذلك المحو إلى الصحو، وخروجه من جنة اللقاء والجذبة الإلهيه التي هي أصل الخطيئة الخطيئات. فسلط عليه القوى الداخلية والشيطان الخارجي لتدعوه إلى هذه الشجرة، التي كانت مبدأ لبسط الكمالات ومنشأ لفتح أبواب الفيوضات، فأبعدت آدم عن بساط القرب قبل تنزله، ودعته إلى التوجه للطبيعة والحجب الظلمانية، لأن الحجاب لا يمكن خرقه قبل الورود فيه، فلا بدّ أن يكون الخرق من الداخل لا من الخارج. قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا ألإنْسَانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَفِلِين} وهذا الرد التسافلي هو آخر الحجب الظلمانية من جهة جامعية هذه الاُعجوبة الإلهية ( آدم ) ومن لوازم تعليم الأسماء والصفات في الحضرة العلمية.

وبهذا صار آدم محدثاً بالحدث الكبر ومجنباً بالجناية العظمى بالمعنى المعنوي والظاهري. وهذا التوجه لّما تمثل في حضرة المثال والجنة الدنوية فتمثلت الدنيا في صورة الشجرة، وابتلي آدم بالخطيئة بالتوجه والمشي إليها، وأخذها باليد ووضعها على الرأس إعظاماً، فلا بدّ له ولذريته وخصوصاً هذه الأمة العارفة بالأسرار من نور الأولاد الأطهار جبران تلك الخطيئة.

س86: بأي معنى يكون جبران تلك الخطيئة لهذه الأمة بالوضوء؟

ج : تلك الخطيئة لم تكن مختصة بشخص آدم عليه السلام، وإنما الخطيئة هي التوجه إلى الدنيا والطبيعة في هذه النشأة والتي كانت هي شجرة الشهوات التي هي أساس كل الخطايا {حب الدنيا راس كل خطيئة} فالتطهير منها ليس لآدم (أبوالبشر) وإنما هي لآدم بالمعنى الأعم، أعني كل ذات عاقلة وجدت من أديم الأرض {إن قبل آدمنا وعلمنا ألف آدم وألف عالم}.

وعليه فالتطير شامل لكل الذوات العاقلة على إختلاف مراتبها ومستوياتها بالمعنى المعنوي، وخصوصاً لبني آدم البشري، وبالأخص لهذه الأمة.

فيطهرون موارد تلويث الظاهر بالماء الطاهر النازل من حضرة الرحمة، ويطهرون موارد تلويث الباطن والقلب بماء التجليات النازل من حضرة اللاّهوت.

فعند تطهير الوجه يغسلون قلوبهم عن الغير بالكلية، وعند تطهير اليد يطهرونها من مرفق التلوث بالدنيا إلى منتهى أصابع المباشرة لها.

ويمسحون بفضله أقصى عرش التوجه إلى الطبيعة ومنتهى المسير إليها وحصول آمالها. فيخرجون من فضول التوجه إلى الملك وبقايا آثاره، ويخرجون من خطيئة الأب الأول والنفس الأولى (الذي هو الأصل) من جنابته {هُوَ الّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وآحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوجَها وَبَثَ مِنْهُما رِجَآلاً وَنِسَآءً كَثِير}.

س87: كيف حصل هذا الترتيب بين الأعضاء غسلاً ومسحاً؟

ج : مما ورد في حديث صلاة المعراج. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

{قال ربي عز وجل: يامحمد! مدّ يدك فيتلقاك ماء يسيل من ساق عرشي الأيمن، فنزل الماء فتلقيته باليمين، فمن أجل ذلك أول الوضوء باليمنى، ثم قال: يامحمد! خذ ذلك وإغسل به وجهك (وعلمه ذلك)  فإنك تريد أن تنظر إلى عظمتي وانت طاهر، ثم اغسل ذراعيك اليمين واليسار (وعلمه ذلك)  فإنك تريد ان تتلقى بيديك كلامي، وامسح بفضل ما في يديك من الماء رأسك ورجليك الى الكعبين (وعلمه المسح براسه ورجليه)  وقال: فإني اُريد ان أُطئك موطئاً لم يطأه احد قبلك ولايطؤه احد غيرك الحديث}.

 

س88: له الحمد وحده على كثير نعمه. الآن نريد أن نعكس ذلك على أفعالنا، فهل إلى ذلك من سبيل؟

ج : سبيلك الأوحد أيها المؤمن الساعي للاقتداء باهل المعرفة واليقين أن تكون لك اأسوة حسنة بالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

ومدّ يدك اليمنى إلى رحمة الحق وتلق من الماء النازل من ساق العرش الأيمن, فإن الحق سبحانة لا يردّ الفقراء المتحققين بالفقر إليه صفر الأيدي، ولا يرجع أرباب الحوائج إلاّ بقضاء حوائجهم، فخذ من ذلك الماء واغسل به وجهك المتلوث بحب الدنيا، بل بما سوى الحق سبحانة، فإنه لا يمكن النظر إلى عظمة الحق تعالى بتلك القذارات والتلويثات، فـ{إن الدنيا والآخرة ضرتان} و {ليس في جوف ابن آدم من قلبين}.

ثم اغسل يديك من مرافق رؤية الحول والقوة إلى أصابع مباشرة رؤية الإنية والأنانية، فـ( لا حول ولا قوة الاّ بالله العلي العظيم )، فإنه لا يمكن مسّ كتاب الله بهذه القذارات، قذارة استقلال النفس {لآيَمَسهُ الاّ ألمُطَهَّرون}.

فلا يمس ظاهره إلاّ اصحاب الطهارة الظاهرية  ولا يمس باطنه إلاّ أصحاب الطهارة الباطنية.

وامسح بفضله رأسك وضع عن رأسك العلو والعظمة والتكبر لكي تكون ممسوحاً بيد الحق، واخرج من رأسك الغير والغيرية لتون مباركاً ببركات الحق.

وطهر رجل التردد في شؤون الكثرة لتكون مُحرِماً لمحضر القرب ومحفل الأنس، وضع رأسك تحت قدميك كي تليق أن تطأ بساط العظمة.

فهذه أمهات المبعدات عن الجناب المقدس، وبطهارتها يطهر ما دونها.

الفصل الخامس

سر العورة

 

س89: ما معنى الستر؟

ج : الستر معنى نسبي يتقوم بخمسة أطراف هي:

الأول: الساتر، ويراد به فاعل الستر أو واضع الحجاب.

الثاني: المستور به، وقد يسمى بالساتر أو الستر أو الحجاب نفسه.

الثالث: المستور عنه، ويراد به الشخص الذي أُريد الإخفاء عنه أو جعله في الحجاب.

الرابع: المستور، ويراد به الأمر الذي جعل تحت الستر واختفى به.

الخامس: سبب الستر، ويراد به السبب الذي أدى إلى الستر، فقد يكون لضعف الإدراك وقد يكون لوجود مانع في المستور أو في المستور عنه.

س90: المراد من الستر هنا ستر العورة خلال الصلاة عن نظر المصلي وغيره، فهل هناك مصاديق أخرى للستر؟

ج : هنالك مصاديق عديدة للستر نذكر منها مايلي:

أولاً: ستر النقائص والعيوب المركوزة في الفرد عن الآخرين.

ثانياً: ستر عالم الجن الذي نطق به القرآن الكريم عن الوعي البشري الاعتيادي.

ثالثاً: ستر العوالم العليا المعنوية اأو الروحية أو العقلية عن الوعي البشري.

رابعاً: ستر الرحمة وانقطاعها بأستحقاق الفرد أو الأفراد للبلاء.

خامساً: ستر الذنوب والعيوب بالرحمة الإلهية الناتجة من التوبة واستحقاق المغفرة.

سادساً: ستر المستويات العليا للنفوس المرتفعة للأولياء وأضرابهم عمن هو دونهم.

س91: ورد في المصادر الفقهية شروط في الساتر المستعمل في الصلاة, وهي أن لا يكون:

(شفافاً, نجسا,ً مغصوباً, ميتةً, مما لا يؤكل لحمه, حريراً أو ذهباً للرجال) فما المعنى المراد من هذه الشروط؟

ج : اإن هذه الأمور ترمز إلى مرموز معنوي لا بدّ من أن تكون متحققة في الساتر لكي تصح لصلاة.

فرمزية عدم كونه شفافاً: إن الحجاب قد يكون كثيفاً كحجب الظلمة, وقد يكون شفافاً كحجب النور.

أما رمزية عدم كونه نجساً: إن {الصلاة معراج المؤمن} فلا ينبغي له أن يعرج بنفس خبيثة وصفات دانية, بل لا يمكنه ذلك على الإطلاق.

وجهة رمزية عدم الغصبية: أن لايعيش الفرد تجاه ربه وتجاه الآخرين متلبساً بصفات غيره, وخاصة إذا كان ذلك الغير كارهاً لهذه الجهة.

وجهة رمزية كونه ميتة: أن لا يكون الفرد مصلياً بقلب ميت من الإيمان, أو بصفات ميتة من الخير والتضحية من أجل الآخرين وفي سبيل الحق.

وجهة رمزية عدم كونه عن غير المأكول اللحم: هو الإنسان الذي لا يجوز أخذ العقائد منه أو التشبه بمستواه العبادي أو الإيماني, أو الاتصاف ببعض صفاته.

وجهة رمزيم عدم كونه حريراً أو ذهباً للرجال: إن لبسه في الصلاة يصّد القلب عن التوجه, والنفس عن الخضوع, والفرد عن التكامل. في حين يريد الله سبحانه وتعالى لعباده الصلاة النافعة المؤثرة في التوجه والتكامل الحقيقي.

س92: ما هي مستويات ستر العورة؟

ج : مستويات الستر العورة عديدة, هي:

المستوى الأول: عند العامة, وهو ستر مقابح البدن عن الناظر المحترم في حال الصلاة.

المستوى الثاني: عند الخاصة, وهو ستر مقابح الأعمال مطلقاً بلباس التقوى في وقت الحضور في المحضر المخصوص.

المستوى الثالث: عند أخص الخواص, وهو ستر مقابح النفوس بلباس العفاف.

المستوى الرابع: عند أهل الإيمان, وهو ستر مقابح القلوب بلباس الطمأنينة.

المستوى الخامس: عند أهل المعرفة والكشف, وهو ستر السر بلباس الشهود.

المستوى السادس: عند أهل الولاية, وهو ستر سر السر بلباس التمكين.

فإذا وصل الفرد إلى هذا المستوى الأخير, فقد ستر جميع عوراته, وصار لائقاً للمحضر, وله دوام الحضور.

س93: فيما سبق من الكلام قلتم بأنه: (ينبغي على الفرد ترك التصرف بإرادته المستقلة). على هذا من هو الساتر أو فاعل الستر؟ الفرد أم الحق تعالى؟

ج : قطعاً هو الحق عز وجل, وهذا هو سر قرب النوافل. فإن كان الفرد مُسَلِماً أموره للحق فالساتر والقائم بالستر هو الحق بصورة الفرد.

فالحق سبحانه وتعالى جلّت رحمته ووسعت ستاريته ستار جميع عورات الخلق ومقابحهم, بإكرامه النوع البشري بألبسة مختلفة, لتستر المقابح الظاهرية البدنية. وستر المقابح الأعمالية بستر الملكوت, ولولا هذا الستر الملكوتي على صور أعمالنا لافتضحنا وذُللنا في هذا العالم.

ولكن الحق جلَّت عظمته قد سترها عن أنظار أهل العالم بستاريته, وستر المقابح الأخلاقية وملكوت ملكاتنا الخبيثة بهذه الصور المعتدلة المستقيمة الملكية.

ولو هتك هذا الستر وظهرت صور ملكات الأخلاق لَكُنا كلنا الآن على الصور المناسبة لتلك الملكة الباطنية, كما سنكون في غير هذه النشأة وهذا العالم وقت ظهور السرائر ويوم بروز الملكات.

وفي الحديث: {يحشر بعض الناس على صور تحسن عندها القردة والخنازير}.

وعن ابي عبد الله عليه السلام: {ان المتكبرين يجعلون في صور الذر يتوطأهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب}.

وعلى هذا تكون هذه الصور الإنسانية الظاهرية ملقاة من قبل ستارية الحق على عوراتنا الباطنية, كما أن ستر مقابح القلوب والأسرار كائنة بستاريته الأفعالية والأسمائية والذاتية عن جميع الموجودات الملكية والملكوتية على حسب مراتبها.

س94: ما الذي ينبغي على الفرد لستر عوراته؟

ج

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر