بحث حول الرجعة:
مفهوم الرجعة عنوان ينطبق على عدد من المعاني التي بعضها أكيد الصحة وقد قام الدليل عليه، وبعضها غير واضح بذلك الوضوح، أقصد من ناحية دليله.
وبالرغم من إن الآخرين قد أخذوا على الشيعة عدة مفاهيم يؤمنون بها ـ ومنها الرجعة ـ على إنها مفاهيم فاسدة باطلة، إلا إنها من زاوية الرجعة ـ التي نتكلم عنها الآن ـ نقول: إن كان بعض المعاني والتفسيرات للرجعة يمكن أن تكون في نظركم فاسدة، فإن هناك للرجعة تفسيرات صحيحة.
ومنها ما هو نص في القرآن الكريم، ومنها ما يتبنى الاتجاه التقليدي عندكم على الأيمان به ولا سبيل إلى إنكاره، كما سوف نوضح مفصلاً. فإن كانت الرجعة تنطبق على هذه الأمور بالذات إذن فأنتم تقولون بالرجعة وليس الشيعة فقط.
والمفهوم اللغوي للرجعة لا يعني أكثر من رجوع شيء بعد ابتعاده عنه، فقد كانا متجاورين ثم افترقا بسبب ما، ثم يعود أحدهما المعيّن إلى الأخر.
وهذا المفهوم اللغوي ينطبق إجمالاً على كل مفاهيم الرجعة ومعانيها. فهو قد كان مجتمعاً مع البشرية فيDفمثلاً إذا قلنا برجعة الإمام أمير المؤمنين عصره ـ في صدر الإسلام ـ ثم افترق عنها بموته، ثم يعود إليها من جديد، وهكذا.
و الأفضل الآن أن نقضي الوقت الآتي باستعراض المهم من معاني الرجعة وتفسيراتها لنرى مقدار ما قام الدليل على صحته منها، مع الالتفات إلى إننا لا نستطيع أن نجزم ببطلان بعض المعاني منها ونستدل على فساده، ولا إن أولئك الآخرين يستطيعون ذلك. فقد قال ابن سينا قولته المشهورة: (ما قرع سمعك فذره في ساحة الإمكان حتى يذودك عنه ساطع البرهان).
وقد علّمنا ديننا إن ما سمعناه مما لا دليل على صحته لا حاجة إلى المبادرة إلى إنكاره، بل نوكل علمه إلى الله وإلى الراسخين في العلم، إذ لعلنا إذا أنكرناه واعتقدنا بفساده فقد نعتقد بفساد ما هو حق واقعاً، ومجرد الاحتمال كاف بهذا الصدد، وهذا الاحتمال قائم في ذهننا بالضرورة وفي أذهان أولئك الآخرين أيضا.
و إنما بادروا إلى إنكاره، من زاوية (مادية) لا من زاوية دينية، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، لأننا ينبغي أن نعترف إن الرجعة بأي معانيها لا يمكن إثباتها على مستوى (المادي) أو الماديين، إلا بعد بطلان التطرف المادي في عقولهم، وهذا البرهان قائم لدينا بعونه سبحانه، فنحن في فسحة من هذه الناحية.
إلا إن بعض المذاهب الإسلامية. بالرغم من انطلاقها من منطلق ديني ـ على ما هو المفروض ـ إلا إنها لم تنكر الرجعة من هذا المنطلق، إذ لا يوجد دليل على بطلانها و إنما كل ما في الأمر أنه قد يقال: أنه لا يوجد دليل على صحتها، وهذا ما سوف نبحثه عما قريب بعونه تعالى.
إذن فالاحتمال على صحتها قائم دينياً.
إذن فالمبادرة إلى إنكارها غير جائزة، ويجب إيكال علمها إلى الله عز وجل.
وينبغي الالتفات أيضاً إلى إن مفهوم الرجعة بأكثر معانيه، أو قل: انه هو كمفهوم مجرد، ليس من ضرورات الدين وواضحاته كوجوب الصلاة مثلاً. بحيث يجب الأيمان بها على كل حال، ويكون إنكارها إنكاراً للدين. كلاً، بل يكفي للجاهل به أن يوكل علمه إلى الله عز وجل. ويعترف بجهله في هذا المجال. شأنه في ذلك شأن بعض المفاهيم الأخرى كوجود الجنة والنار قبل يوم الحساب، وهكذا. فكلها مما يجب إيكال علمها إليه8أو نزول جبرائيل إلى الأرض بعد النبي سبحانه ولا يجوز المبادرة لإنكارها وإن لم يكن إنكارها خروجاً عن الدين.
وإذا أردنا استعراض معاني الرجعة وجدنا لها:
أولاًً: انقساماً رئيسياً قلما يتعرض له المفكرون المسلمون وهو الرجعة المعنوية والرجعة الظاهرية أو المادية؟. أو قل الرجعة الأخروية والرجعة الدنيوية كما سنوضح.
أما الرجعة المعنوية: فإننا نعلم ـ وقد تم البرهان عليه في الفلسفة والحكمة العليا ـ بأن الأشياء كلها في تكامل وتنام مستمر، وإنها متوجهة باستمرار نحو الكمال المطلق. إلا أنها لا تصل إليه بذاته لأنه لامتناه وغير محدود، و إنما هي في سفر دائم نحوه بمقتضى الشوق المركوز في ذواتها للكمال، لا تختلف في ذلك الموجودات جميعاً كل من زاوية رتبته ومقدار قابليته وعمله.
لا يستثنى من ذلك شيء، إلا ما حصل دونه الموانع. فقد تحصل الموانع في التسبيب إلى إبطاء هذا السير الحثيث.
وقد تحصل الموانع في قطع الوصول بالمرة. وعندئذ قد يقف الفرد عن التكامل لسوء توفيقه وقبح عمله. أو قد يتكامل في الشر والسوء وزيادة الظلم والعتو والاستكبار.
وقد وجد بين السحرة وإضرابهم من يميل إلى العمل الجاد من أجل الوصول إلى عالم الظلام والشياطين, حيث يُعدّونه كمالاً لهم, لا عالم النور السامي الذي ينحو نحوه المعتدلون بفطرتهم من الخلق.
فإن ذلك اعوجاج في الفطرة, بعد حصول المانع عن إدراك حقيقتها, لسوء عمل الفرد وظلام نفسه.
إلا إننا لو حسبنا مجموع الكون بصفته متجهاً نحو الكمال لم نجد موارد المانع أمراً كثيراً، بل لعله لا يشكل إلا نسبة ضئيلةً جداً في الكون.
وهو ـ لو التفتنا ـ نافع بالتأكيد، وفي وجه الحكمة الحقيقية لتكامل الآخرين. لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، فلا يمكن أن نعرف نعمة الأيمان إلا إذا عرفنا نقمة الكفر، ولا يمكن أن نعرف نعمة اليقين إلا إذا عرفنا نقمة الشك .. وهكذا.
وهذا هو التفسير الرئيسي لذلك القول الذي يفسر وجود الكفر والانحراف بالكون بأنه: فداءً للمؤمنين. يعني: اقتضت الحكمة الأزلية وجوده من اجل نفع المؤمنين، على أن لا ينقص ذلك من عذاب من يستحقه شيئاً؛ لأن سوء عواقبهم إنما هو نتيجة لعملهم وسوء تصرفهم واختيارهم الباطل على الحق.
ومن هنا يتضح مفهوم الرجعة المعنوية في التكامل والتي تعلق بها [وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ]القرآن الكريم. فقد ورد ست مرات قوله تعالى: إِلَى رَبِّكُمْ] ، [وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]. وورد عشرات المرات بمضمون: .[تُرْجَعُونَ
[وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ]وقال: .
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ]وقال: .[فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
وَأَنَّ] . و [إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى]وقال: . وغير ذلك. إلا إن الشواذ مشمولون لقوله تعالى:[إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ثُمَّ إِنَّ] ، وقوله: [إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ] ظَنُّوا أَنَّهُمْ] . وقد بَكّتَ القرآن الذين [مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ .[إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ
وهذه الرجعة مما لا مناص لكل المذاهب الإسلامية من الاعتراف بها لأنها مطابقة للقرآن الكريم المعترف به إسلامياً بالضرورة.
وهناك معنى أخر للرجعة ينص عله القرآن الكريم وهو رجوع الأموات للدنيا ليستأنفوا أعمالهم قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ]إن كانوا في حياتهم قد أفسدوها صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ . وحسب فهمي من الآية الكريمة إن[وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لأن الله[كَلَّا... ]الأفراد يختلفون في ذلك فقد يكون استحقاق الفرد أن يقال له: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا]تعالى يعلم انه لو رجع لأفسد في حياته كما كان يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ .[لَكَاذِبُونَ
فمن مصلحته أن تقل ذنوبه بكل تأكيد فعدم رجوعه أولى له.
وقد يكون الفرد في علم الله يحتوي في نفسه على أمل الصلاح والإصلاح. إذن فمن الحكمة إنما هي خاصة[كَلَّا... ]استجابة دعائه وإرجاعه إلى الدنيا. وتلك الآية التي تقول بمن لا يستحق. لان نفسه في حياته الأولى قد أظلمت وفسدت بحيث لا يمكن أن تنتج أو أن تختار إلا العمل الفاسد. ولعلنا ينبغي أن نعترف إن هؤلاء هم الأعم الأغلب ممن يتمنى الرجوع إلى الدنيا.
هذا وينبغي أن نلتفت إلى انه ليس كل الموتى يودون الرجوع إلى الدنيا فإن من رأى ثواب الله وحسن عطائه هناك لا يكون لهم هَمٌ إلا الوصول إليه والخروج من هذا السجن الضيق المسمى بالدنيا.
سٍجْنُ المؤمِن]فإنها كما ورد: وقد ورد بهذا المضمون المشار إليه عدة نصوص.[وَجَنَةُ الكافِر
منها, ما مضمونه: إن المؤمن لا يموت وهو كاره لأنه حين يكون في وقت الاحتضار يكشف الله سبحانه وتعالى له مقامه في الجنة فلا يكون أحب لديه شيء من الوصول إلى ذلك المقام. كما إن الفرد إذا كان مبتلى في الآخرة بالعذاب الشديد فقد يلهيه ما يعانيه من الألم عن تذكر الرجوع إلى الدنيا ليتمناه ويطلبه.
وعلى أي حال فهذا معنى آخر من الرجعة نطق به القرآن الكريم ولا ينبغي الاختلاف فيه.
و أما أسلوب رجوع هذا الميت إلى الدنيا إذا كان فيه أمل الصلاح والإصلاح ـ كما قلنا ـ فهو مما يختاره الله تعالى له.
و الأسلوب التقليدي المفهوم من ذلك هو إرجاعه إلى الدنيا في حالة الاحتضار وإلغاء قرار موته فيتحسن حاله ويرجع. وهذا معناه إن إجله الحقيقي لم يحن بعد.
وهناك أسلوبان آخران قد يشار إليهما في بعض الأدلة.
أحدهما: الرجوع من بعد الموت إلى الدنيا. بمعنى أن يقوم من قبره. وهذا يتضمن معنى الرجعة التي سوف نبحث عنها فيما يأتي. فإن اعترفنا بها فمعناه إن بعض الناس يحدث لهم ذلك.
ثانيهما: الرجوع إلى الدنيا بما يسمى بالولادة الثانية. بان تدخل روحه إلى جنين جديد التكوين فيولد إلى الدنيا من جديد.
وهذا هو الذي يفسر الأقوال الكثيرة التي صدرت من العديد من الناس الذين يقولون : أننا كنا في الدنيا قبل هذا، وبعضهم ـ كما قيل ـ يعرف أسماء الموجودين، ويعرف الطرق، مما يدل دلالة قطعية على صحة كلامه.
إلا إن هذا الفرع من المعرفة فيه إشكال ما يسمى بالتناسخ. فهل هو صحيح أم لا ؟
أم انه صحيح أحياناً وباطل على بعض التقادير؟.
فهذا مما لا نريد الخوض به لأنه يطول بنا الكلام الذي نريد له الاختصار. إلا أن المشهور بين العلماء هو بطلان التناسخ على كل أشكاله.
وقد ظهر من كل ما سبق ما يكفي لإلقاء الضوء بهذا الصدد لمن يفكر.
وهذا ما نريد قوله حول القسم الأول من الرجعة وهو الرجعة المعنوية.
و أما الرجعة الظاهرية أو الدنيوية. فهي أولا تنقسم إلى قسمين رئيسين:
أحدهما: ما لا يحتوي على فكرة الحياة بعد الموت على الإطلاق.
ثانيهما: ما يحتوي على تلك الفكرة.
وإما ثانياً فانقسام القسم الثاني كما يأتي بعد ذلك.
أما القسم الأول: وهو ما لا يحتوي على وجود الحياة الدنيا بعد الموت أو قل لا يتضمن قيام الإنسان من قبره على الإطلاق. كل ما في الأمر إن فرداً في مجتمعه قد يغيب عن المجتمع مدة تقل أو تطول ثم يعود إليه.
وهذا ما حدث مع عدد مع الأنبياء أوضحهما تطبيقان:
عن مجتمعه التطبيق الأول: وهو الأسبق تاريخياً: غياب موسى كما هو مشروح في[غَضْبَانَ أَسِفاً]أربعين يوماً لمناجاة ربه وعاد إليهم بعد ذلك القرآن الكريم وتفاسيره.
التطبيق الثاني: غياب نبينا ( عليه الصلاة والسلام وآله الكرام) في غار حراء لمناجاة ربه وعبادته عدة مرات ورجوعه منه.
فمن هذا المنطلق الذي تعترف به المذاهب الإسلامية الأخرى يمكن أن ينطلق إلى (تقريب) الرجعة بعد غيابه. بمعنى محدد, وهي أن يكون معناها ظهور المهدي
ونحن كشيعة يمكن أن نقول: إن هنا هو معنى الرجعة، ولا يوجد دليل معتبر على غيره، بل نوكل علمه إلى الله سبحانه.
وهو خلاف ولا يبقى الخلاف بيننا وبينهم إلا الاختلاف في طول عمره آخر غير الرجعة.
ومن المعلوم إن الكلام في أي فرع من المعرفة يحتوي على التسليم على ما هو المختار في الفرع الآخر لا أن نفتح الخلاف في كلا الفرعين دفعة واحدة. فإن اعترفنا في هذا الإشكال بطول عمره بقدرة الله سبحانه لم يبق في القول بالرجعة من هذه الناحية أي إشكال.
بل إنهم ملزمون بالقول بما يشابهه بالرغم من إنهم يقولون بأن المهدي (يولد في حينه) ومضمونه: غياب القيادة الإسلامية المخلصة الحقيقية فترة من الزمن بعد الخلافة الأولى ـ أو بعد كل الخلفاء بما فيهم العثمانيين ـ إلى ظهور المهدي الذي يعترفون به.
على إن جماعة منهم يقولون بغيبة المهدي ولديهم روايات تدل على وجود غيبتين له, وقد احتار بعضهم في فهمها طبقاً لتصورهم، وهذا موضح في مقدمة (تاريخ الغيبة الكبرى) مضافاً إلى اعتراف قسم منهم بان المهدي هو ابن الحسن العسكري عليه السلام، كما هو مذكور في عدة مصادر منها كتاب (المهدي ) للسيد صدر الدين الصدر، وممن يعترف بذلك الفيلسوف الصوفي ابن عربي والعارف الرومي و آخرون.
في المذاهب الأخرى، فهذا كله اعتراف بغيبة المهدي بشكل أو بأخر. إذن فليس قبيحاً على هذه (العصابة) الناجية أن تقول بالرجعة إذا فسرت بإحدى هذه التفاسير.
وإذا قلنا إنها من ضروريات المذهب أو مما دلت علية الروايات المتواترة، كما ذهب إليه المجلسي في البحار وكثير غيره من علمائنا. فإننا ـ على أي حال ـ يمكن أن نفسرها بمثل هذه التفاسير، ونوكل العلم الباقي إلى الله عز وجل.
وإن كنا من ناحية وجدانية نرى إن عدم التوسع في فهم الرجعة، أو الميل إلى نفي أو استبعاد المعاني الآتية إنما هو ناشئ من ذوق (مادي) كما أشرنا قبل فترة. وأما إذا نظرنا من زاوية إلهية، لم يكن ذلك على قدرة الله ببعيد، وهو القادر على كل شيء.
ومن هنا ندخل في القسم الثاني من الرجعة الظاهرية وهو ما يتضمن القيام بعد الموت.
واهم ما يدل على ذلك أجمالا يعني بغض النظر عن التفاصيل الآتية، دليلان وهما رئيسيان في الشريعة:
وَيَوْمَ]الأول: القرآن الكريم، قال الله تعالى جل شأنه نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ .[بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ
ويتم فهم الآية ضمن عدة قرائن لفظية فيها:
والحشر ظاهر في[وَيَوْمَ نَحْشُرُ]أولا: مفهوم الحشر في قوله تعالى الرجوع بعد الموت، وظاهر القرآن الكريم حجة.
[حَتَّى إِذَا جَاءُوا]ثانياً: الأمر الذي يدل على صدق الوعد من هذه الناحية وحصول المجيء بعد الرجوع.
ثالثاً: الخ، الأمر الذي يدل على حصول النتيجة[وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ..... ] فَهُمْ لا]فعلاً من هذا الرجوع وهو إلزامهم بأعمالهم ومؤاخذتهم بها. وانقطاع حجتهم .[يَنْطِقُونَ
وظاهر القرآن في كل ذلك حجة.
مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ]رابعاً: الأمر الذي يدل بوضوح على إن هذا الحشر غير الحشر يوم القيامة، عندئذ يكون[فَوْجاً [حَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً]للجميع لا للبعض كما قال تعالى: . وقد وردت في ذلك رواية، إلا أن العمدة هنا مطابقتها فعلاً مع ظاهر القرآن الكريم فيكون حجة بهذا الاعتبار ويكون وجود الرواية مؤيداً لذلك.
نعم يبقى سؤال واحد: وهو إن هذه الآيات الكريمات دلت على حشر المكذبين والكفار في الرجعة ولم تدل على حشر المؤمنين في حين إن الذي ينفعنا في مذهبنا هو العكس.
وهذا له عدة أجوبة نذكر منها ما يلي:
أولا: إن الآية الكريمة تدل على حشر المؤمنين فعلاً، لأنهم والمؤمنون أمة على أي حال، و أما[مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ]مشمولون لقوله تعالى تحميلهم المسؤولية بعد ذلك فالآية غير واضحة بشموله لكل من يحشر.
ثانياً: إننا لو تنزلنا عن الجواب الأول وقلنا إنها خاصة بحشر الكفرة، فهو ينفعنا أيضا في مذهبنا.
أولا: لان من يقول بالرجعة يقول برجوع الكفار والمؤمنين معاً وبعض الروايات ناطقة به.
ثانياً انه لو أمكن رجوع الكفار، وهو ثابت بقدرة الله سبحانه وبنص القرآن الكريم، أمكن رجوع المؤمنين. فإذا دل عليه الدليل أو قال به قائل فليس قوله بمستنكر ولا باطل كما يصوره لنا الآخرون.
هذا وان هناك دليلاً أخر من القرآن الكريم على الرجعة وهو الآية الدالة على خروج (الدابة) وسوف نتعرض لها بعد ذلك بصفتها رجعة خاصة ـ أي للبعض ـ لا عامة كما تدل علية الآية التي ذكرناها أولاً وهو العموم.
الدليل الآخر الرئيسي على الرجعة، السنة الشريفة.
وهي كثيرة ومستفيضة بل قال عدد من علمائنا بما فيهم المجلسي في البحار أنها متواترة. وان على ذلك ضرورة المذهب.
ونحن على أي حال في فسحة من امرنا، بعد أن استدللنا بالقرآن الكريم نفسه. فحتى لو لم يثبت من السنة شيء فحسبنا كتاب الله سبحانه.
وهذا الاستدلال يحتوي على نقطتي ضعف.
النقطة الأولى: إن الروايات الواردة بهذا المضمون كلها أو الأعم الأغلب منها شيعية بحيث لو وجد في مصادر العامة منها شيء منها فهو اقل من أن يكون له صفة الحجية في هذا الأمر المهم.
ومن المعلوم إن الروايات في مذهبنا لا تكون حجة عليهم. كما إن تسالم علمائنا ـ كما قيل ـ وضرورة المذهب ـ كما قيل ـ لا يكون حجة عليهم.
لكن الأمر تجاههم لا يخلو من عدة مستويات.
المستوى الأول: دلالة القرآن الكريم عليها كما سبق وسيأتي كما أشرنا.
المستوى الثاني: التواتر، وهو كثرة الروايات بحيث توجب حصول العلم لدى العقل غير المعاند، وهذا لا يختلف فيه مذهب عن مذهب.
المستوى الثالث: إنها إن فرضنا عدم الدليل عليها، فلا دليل على نفيها كما قلنا. وقد أشرنا في أوائل هذا البحث إن ما يكون كذلك لا يجوز الجزم بنفيه فضلاً عن نبزه بالصفات الباطلة، بل يجب ايكال علمه إلى الله والراسخين في العلم.
النقطة الثانية : من نقاط الضعف.
اختلاف الروايات الدالة على الرجعة بالمضمون اختلافاً كثيراً. بحيث أرجعناها في (تاريخ ما بعد الظهور) إلى عشرة مضامين أو أكثر منها: رجوع من محض الأيمان محضاً.. . ورجوع بعض الأموات ورجوع الحسين ورجوع من محض الكفر محضاً. ورجوع أمير المؤمنين بعد ظهوره ورجوع بعض الأنبياء السابقين على الإسلام وغير لنصرة الأمام المهدي ذلك.
وهذا الاختلاف قد يستدل به ـ كما قلنا في الكتاب المشار إليه ـ على ضعف هذه الروايات وعدم إمكان الأخذ بها لأن أي واحد منها هو خبر واحد؛ فلا يكون معتبرا في مثل هذا الأمر العقائدي المهم، و أما مجموعها فلا يدل على رجعة معينة، بل يدل على الرجعة على الإجمال من دون الإشارة إلى أمر بعينه.
إلا أنه يمكن تلافي هذا الضعف كما يلي:
أولا: إن ثبوت الرجعة على الأجمال يكفينا في تصحيح ما عليه علماؤنا ولا حاجة إلى التفاصيل.
ثانيا: إن الرواية الدالة على هذا المضمون وهو (رجوع من محض الإيمان محضاً ومن محض الكفر محضاً ) رواية معتبرة سنداً عندنا إلى درجة محترمة جداً, فتكون كافية وحجة في إثبات مضمونها، وإذا ثبت مضمونها ثبت مضمون الرجعة إجمالا، إذ نقول: إن الرجعة بهذا المعنى صحيحة وثابتة.
إلا إنها رواية تثبت على مستوى مذهبنا لا على مستوى المذاهب الأخرى.
ثالثاً: دعم هذه الرواية بما دل عليه القرآن الكريم من الرجعة كما اشرنا، إذن فهي موافقة القرآن وغير مخالفة له إذن فلا موجب لنفيها, بل هنا الموجب لإثباتها وحجيتها.
رابعاً: إن ما قد يتخيله البعض مع شديد الأسف، إنها روايات متعارضة ومتنافية، ليس هذا بصحيح على الإطلاق، وقد قلنا ذلك في (تاريخ ما بعد الظهور).
إذ أن معنى التعارض والتنافي يعني أن تنص المضمون مضموناً آخر، كما لو دل الدليل على سفر (زيد) من يوم الأحد إلى يوم الجمعة، ودل دليل آخر على وجوده في بلده يوم الاثنين، ونحن نعلم انه إما يكون في بلده أو في البلد الأخر ويستحيل أن يكون في البلدين معاً، إذن يكون الدليلان متكاذبين ومتعارضين ولا يكونان معاً حجة.
إلا أن أخبار الرجعة ليست كذلك لإمكان أن يحدث كل أنواع الرجعة التي نصت عليها الروايات أو أن يحدث بعضها بدون أي تنافٍ، بل لا ينفي الدليل على رجوع الحسين فمثلاً: إن الدليل على رجوع أمير المؤمنين لعلهما يرجعان معاً، ونحن نعلم إن ذلك ممكن بحسب التصور العقلي وفي قدرة الله سبحانه، مضافاً إلى موافقتها – إجمالا- القرآن الكريم كما اشرنا.
كتبها الشيخ مهدي يونس في 09:37 صباحاً ::
هل يُمكن القول بأن الرجعة على الرواية المذكورة في بحثكم (ثانيا) تنطبق بالكية على جميع الأفراد حيث أن الفرد إما أن يكون متخذاً للأيمان أو متخذاً للكفر. أم أن القصد منها أن الأنسان على ثلاثة مستويات: الأول: صاحب دين. ثانيا: ليس على دين. ثالثاً: لا يعتقد بأي دين (مادياً). وممكن أن نقسم الطائفة الأولى إلى: 1. متمسك بدين ولكن متعصب. 2. متمسك بدين غير متعصب. وهكذا نستطيع أن نقسم كل من الأقسام الأخرى....أدعو لكم بالموفقية.
مفهوم الايمان والكفر مفهوم بسيط ولا يختص بدين معين دون اخر.. إنما يجب النظر لهذا المفهوم من جهة الحق والخق... اعني علاقة الفرد بربه.. فمن أحسن هذه العلاقة فهو مؤمن ومن أساء لها فهو كافر ..ملاحظة: (لايمكن تبسيط الأمر بأسهل من هذه الكلمات فاتعب نفسك ولا تتكل على الغير في كسب المعارف فما ياتي بسهوله يذهب بسهوله).
هــــل تـــعــــلــــم هــــل تـــعــــلــــم هــــل تـــعــــلــــم 1-هل تعلم أن من أسماء أبناء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أبا بكر وعمر وعثمان وباقي الأئمة تسموا بأسماء الخلفاء الراشدين . راجع كتاب ( إعلام الورى ) للطبرسي صفحة 203 . وكتاب ( كشف الغمة في معرفة الأئمة ) للاربلي 2 / 90 ، 217 .
موضوع الرجعة وفكرة الإمام المنتظر من القضايا الشائكة في الفكر الإسلامي بين مؤيد وغير ... طرح مثل هذا الموضوع يتطلب الكثير من البحث المعمق , بعيدا عن إثارة الحساسيات بين أبناء الأمة ,,, فرجال الله هم رجال الله في كل زمان ومكان ... وتعالوا إلى كلمة إيمان بيننا ونعمل بتقوى الله في عباده ... فالمسلم أخ المسلم ... والمؤمن أخ المؤمن ... والوضع الحالي في مشارق الأرض ومغاربها يتطلب منا السعي الحثيث لرص الصفوف في مواجهة الهجمات الشرسة على الإسلام والأمة الإسلامية ... أضرع لله أن يثبتنا على الإيمان كي نستنير بالوعي الباطني ...
الاسم: الشيخ مهدي يونس
