فصــل الأول
النية
س1: ما معنى النية ؟
ج : للنية عدة معان يمكن أن تراد منها، وهي:
1- النية اللفظية.
2- الإخطار الذهني.
3- القصد.
4- الهدف أو الاستهداف.
5 - الباطن أو المحتوى الداخلي للإنسان، أو قل: النفس والقلب.
س2: ما المراد من النية اللفظية ؟
ج : المراد من النية اللفظية هو: ما ينطقه الإنسان عند إرادة الدخول في الصلاة أو بعض أفعال الحج.
س3: وما المراد من الإخطار الذهني؟
ج : هو تذكر واستحضار مضمون النية اللفظية بدون نطقها.
س4: وما المراد من القصد؟
ج : هو : أن تعرف انك ماذا تفعل، بحيث لو سُئلت عنه أمكنك الجواب.
س5: هل معنى القصد شامل لجميع الأفعال؟
ج : نعم، هو شامل لجميع الأفعال الاختيارية القصدية أو المتعمدة.
س6: ما ورد: من {أن الأعمال بالنيات} هل ينطبق عليه معنى القصد؟
ج : نعم، قد يفسر ذا المعنى من النية هذا القول،فيكون ( إن الإعمال بالنيات) أي بالقصود، فكل عمل لا قصد فيه فهو خال من النية.
س7: وما المراد من الهدف أو الاستهداف؟
ج : المراد هو : ما يقصده الفرد في عمله كنتيجة نهائية.
س8: هل يعني إن كان الهدف صالحاً فالنية صالحة و بالعكس؟
ج : نعم، هو كذلك بكل تأكيد.
س9 : ما ورد: من إن {لكل أمرئٍ ما نوى} هل ينطبق عليه معنى الهدف أو الاستهداف؟
ج : نعم،فأن {لكل امرئٍ ما نوى} أي ما استهدف. فأن أستهدف خيراً رأى خيراً وإن أستهدف شراً رأى شراً وعاد الوبال عليه.
س10: ما المراد من الباطن أو المحتوى الداخلي أو النفس أو القلب ؟
ج : المراد منه هو: صفاء الباطن أو صفاء النفس أو القلب.
س11: هل معنى ذلك: أن من كانت نفسه صافية وقلبه طاهراً فنيتهُ حسنة، ومن كانت نفسه خبيثة وقلبه غليظاً فنيته سيئة؟
ج : نعم، هو كذلك بلا شك.
س12: ما ورد: من أن {نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق شر من عمله} هل ينطبق عليه هذا المعنى من النية أو الصفاء الباطني ؟
ج : نعم ينطبق عليه، لان العمل إنما يمثل المحتوى الداخلي للفرد، وهذا المحتوى أهم من العمل بطبيعة الحال.
س13: ما هي مصاديق صفاء النية وحسنها في الأعمال ؟
ج : صفاء النية وحسنها يمكن أن يفسر بعدة تفسيرات غير متنافية، بمعنى إنها يمكن أن تصدق جميعاً. وهي:
1- أن يكون العمل خالياً من قصد الإضرار بالآخرين، وبالنتيجة من ظلم الآخرين.
2- أن يكون العمل خالياً من الأضرار بالنفس،بحسب الواقع سواء عرف الفاعل ذلك أو غفل عنه.
3- أن يكون العمل خالياً من الهدف السيئ، ولو في المدى البعيد، سواء علم به الفرد أم لم يعلم .
4- أن يكون العمل ناتجاً من قلب طاهر ونفس صافية.
5- أن يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع المتزايد بالدنيا وحاوياً على درجة من درجات القناعة.
6- أن يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع بالدنيا عموماً، وليس فقط بالشيء المتزايد منها، كما في الوجه السابق.
7- أن يقصد الفرد بعمله تحصيل غفران الله سبحانه وتعالى لذنوبه وستراً لعيوبه.
8- أن يقصد الفرد بعمله تحصيل رضوان الله سبحانه وليس الغفران فقط، كما في الوجه السابق، لوضوح إن درجة الرضوان أعلى من درجة الغفران.
س14: في الوجه الأول من الوجوه السابقة، لماذا عُدّ الإضرار بالآخرين ناتجاً من سوء النية؟
ج : ذلك لأن الإضرار بمن لا يستحق الضرر واضح الظلم، وقصد الظلم بمن لا يستحق لا يمكن أن يكون ناتجاً من حسن النية ؟
س15: في الوجه الثاني، كيف يمكن للفرد أن يكون قاصداً الإضرار بنفسه أو الظلم لها؟
ج : ذلك لأن عدداً من أعمالنا يبدأ ضررها بنا قبل أن يصل إلى الآخرين، ونحنُ قد لا نكون ملتفتين، فنكون ممن {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} ونكون كما قال عز وجل :{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ولأن النفس تحتاج إلى التربية والعناية، فكل عمل غير موافق لذلك فهو ظلم للنفس.
س16: في الوجه الثالث، لو كان الفرد عالماً بسوء هدفه فهل هناك فرق في الظلم فيما لو كان ملتفتاً أو غير ملتفتٍ؟
ج : إن كان عالماً بسوء هدفهِ ملتفتاً كان ظلمه أكبر، وان لم يكن عالماً ملتفتاً كان ظلمه أقل بطبيعة الحال.ومن هنا قال الشاعر:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبةً وإن كنت تدري فالمصيبةُ أعظمُ
س17: ماذا لو كان العمل خالياً من الاستهداف السيئ ؟
ج : إن كان الأمر هكذا، فذلك شكل من أشكال خلوص النية وحسنها بلا شك.
س18: في الوجه الرابع، هل يعني أن أصحاب النفوس الشريرة تكون كل أعمالهم غير نقيه وكل نياتـهم غير حسنة ؟
ج : هذا واضح الصحة بالتأكيد، وذلك لأن أعمالهم ونياتـهم ناتجة من نفوسهم تلك، فهي تمثلها وتعكس شرها بشكل أو بآخر.
س19: في الوجه الخامس، هل يعني إن الفرد أن كان مستهدفاً للطمع المتزايد بالمال أو الجاه أو السمعة أو السيطرة،كان عمله غير متصف بخلوص النية ؟
ج : هو كذلك إن كان عمله ذاك خالياً من المصلحة العامة.
س20: وكيف يمكن إصابة المصلحة العامة ؟
ج : هذه المصلحة لا يمكن إدراكها إلا بعد المعرفة.
س21: في الوجه السادس، كيف يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع بالدنيا عموماً؟
ج : يكون ذلك بالاقتصار على ضروريات الحياة، والقناعة بها عن الباقي، لتكون النية خالصة، وكل عمل زاد على ذلك فهو عن نية سيئة.
س22: ماذا يتحصل من الاقتصار على القناعة بضروريات الحياة دون طلب الباقي؟
ج : القناعة لا يمكن أن تحصل عبثاً، وإنما تحصل لأجل الحصول على الجانب الآخر من الحياة بمعناها الأوسع، وهو الجانب الأخروي.
س23: الأعمال الحسنة والنافعة للنفس والآخرين عموما، هل هي مرضية لله سبحانه وتعالى؟
ج : نعم بالتأكيد، لأن الأعمال الحسنة والنافعة للنفس والآخرين هي من العبادات المرضية لله سبحانه وتعالى، ولكنه إذا قصد منها ذلك (أعني رضاء الله تعالى) فستكون أفضل.
س24: هل أن كل الإعمال الحسنة والنافعة تعتبر من العبادات، وتصح بشرط قصد رضاء الله سبحانه وتعالى؟
ج : إن بعض الإعمال مرضيه لله تعالى، وتكون درجتها أعلى إذا قُصدَ منها رضاه جل وعلا، والبعض الآخر من الإعمال لا تصح إلا بقصد القربة، ويدونها تكون باطلة، وبالنتيجة غير مرضيه لله سبحانه تعالى.
س25: ما تلك الأعمال التي يشترط في صحتها قصد القربة ؟
ج : تلك الأعمال هي التي تسمى فقهياً بالعبادات بالمعنى الأخص.
س26: عرفنا من الأجوبة السابقة، إن الأعمال الحسنة تارة تشترط صحتها بقصد القربى (أي العبادات بالمعنى الأخص) وأخرى لا يشترط ذلك في صحتها، فما هو الدليل على اعتبارها من العبادات مع أن الفقه لم يعتبرها كذلك ؟
ج : من الأدلة على ذلك: أن الأعمال الحسنه كلها مرضيه لله عز وجل، وإن لم يقصد بها القربة بالتفات تفصيلي، لما جاء بالقرآن الكريم من أن الله سبحانه وتعالى {َيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} و {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} و {يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} و{ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} وغير ذلك، ولم يعتبر أن يكون التطهير أو القسط أو الإحسان بقصد قربي أو إلهي ملتفت إليه، بل يكفي فيه ألاّ يكون بهدف سيئ أو نية مريبة. نعم، إذا كان القصد القربى ملتفتاً إليه بوضوح، كان العمل أفضل بلا إشكال.
س27: ما هو المراد من (قصد القربى)؟
ج : قصد القربى التي أشترطها الإسلام في العبادات لا بدّ أن نستبعد منها قصد التقرب المكاني و الزماني والدنيوي، وكل أمر ثبت بالدليل القطعي أن الله سبحانه وتعالى يجل عن الاتصاف به. إذن فالقرب بهذه المعاني غير مقصود لا محالة، وكل من قصدها فقصده باطل، ومن ثم تكون عبادته باطلة لا محالة، فقصد القربى هو: (التقرب المعنوي) إضافة إلى الجواب السابق.
س28: ما المقصود من القرب المعنوي من الله سبحانه وتعالى ؟
ج : يمكن انطباق معنى القرب من الجانب المعنوي على عدة أمور ذكرَ أكثرها الفقهاء المتأخرون منها:
1- قصد الثواب الأخروي .
2- خوف العقاب الأخروي .
3- قصد الشكر على نعم الله سبحانه وتعالى التي لا تحصى .
4- قصد التقرب المعنوي أليه سبحانه بالتكامل إلى المقامات العالية .
5- قصد امتثال أمره التشريعي في الكتاب و السنة .
6- قصد تطبيق العبودية لله سبحانه وتعالى .
7- قصد الحصول على رضاه أو رضوانه جل جلاله .
إلى غير ذلك من القصود الصالحة .
س29: هل هناك مقاصد للقربى إذا قصدت في العمل العبادي أشكلت في صحته ؟
ج : نعم، هناك عدة مقاصد يمكن أن تكون تفسيراً لقصد القربى ،ولكن يشكل صحة العبادة بها، بل لا أشكال من فساد العبادة إن قصد بعضها، بالرغم أن بعضها أو الكثير منها هي مقاصد صحيحة بنفسها، ولكن لا ينبغي أن تكون دخيلة في العبادات بألمعنى الأخص.فمن ذلك ما يلي :
1- قصد غفران الذنوب وستر العيوب.
2- قصد الحصول على الثواب الدنيوي.
3- قصد الحصول على الثواب المعنوي في الدنيا.
4- قصد المصلحة الاجتماعية العامة.
5- قصد دفع واجتناب البلاء الدنيوي.
6- قصد دفع واجتناب البلاء المعنوي في الدنيا.
7- قصد الشكر على نعمة معينة، فإنها تكون عندئذ ( صلاة شكر ) لا ( صلاة ظهر).
8- قصد الحصول على نعمة معينة، كشفاء مريض أو عودة مسافر .
9- قصد الحصول على أثر دنيوي معين، كالرياضة في الصلاة والتنـزه في الحج وتنظيم الجهاز الهضمي في الصوم.
س30: ما المراد من الثواب الأخروي والعقاب الأخروي ؟
ج : الثواب الأخروي هو أي درجة من درجات الجنة، و العقاب الأخروي، هو أي درك من دركات جهنم .
س31: وما المراد من الثواب الدنيوي والبلاء الدنيوي ؟
ج : الثواب الدنيوي مادي ومعنوي، أما الثواب المادي فهو سعة الرزق وإطالة العمر. وأما الثواب المعنوي في الدنيا، فهو صفاء النية ونور الوجه وحسن ظن الآخرين بالفرد.
والبلاء الدنيوي كذلك مادي ومعنوي، أما البلاء المادي فهو الذي ينـزل أو يحصل عادة كعقاب مؤقت على الذنوب كالمرض أو الفقر. وأما البلاء المعنوي في الدنيا،فهو سوء السريرة وظلام القلب أو الوجه أو سوء ظن الآخرين به .
س32: هل القاصد من عبادتهِ هدفاً معيناً حصل عليه ؟
ج : نعم هو كذلك، و لا يكون مستحقاً لما فوقه. فلو قصد من عبادته سعة الرزق، أتسع رزقه ولم يكن له ثواب الآخرة، ومن قصد في تأليف كتاب السمعة، حصل له ذلك ولم يكن له الثواب الأخروي وهكذا. لأنه يقال له في يوم القيامة {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}.
س33: إذا كان الأمر كذلك وهو الصحيح بلا شك، فبماذا تنصحون المؤمنين ؟
ج : من الأرجح للفرد المؤمن أن يدع مقدار ثوابه على عمله الصالح موكولاً إلى رحمة الله سبحانه التي وسعت كل شيء والتي لانهاية لها،كما لانهاية لكرمه سبحانه ولا مانع لعطائه.
س34: فيما ورد من {أن الله سبحانه لا ينظر إلى صوركم بل ينظر إلى قلوبكم}.ما هو التفسير الأرجح لهذا الحديث ؟
ج : تفسير ذلك: بما أن لظاهر الإنسان عبادته و معاصيه أمام الله سبحانه وتعالى، فكذلك المحتوى الداخلي للفرد له أيضاً طاعاته ومعاصيه أمام الله سبحانه وتعالى، بل هي أهم من الطاعات المعاصي الظاهرية كما سنعرف. فالطاعات الظاهرية: هي إطاعة الأوامر والمرجحات الشرعية الظاهرية، كالصلاة والصوم والصدق. وغيرها كثير. والمعاصي الظاهرية: هي عصيان تلك الأوامر و النواهي، كشرب الخمر والكذب والغيبة والزنا. أما الطاعات الداخلية أو الباطنية: فهي ما يخص العمل النفسي أو القلبي للإنسان، وليس له أثر مباشر على الجسد. كالإخلاص والصبر والتوكل والتوحيد وغيرها . والمعاصي الداخلية: هي ما يقابل ذلك، كالحسد والجشع والرغبة في الحرام والشرك وغير ذلك. وإذا عرفنا أن العبادات الظاهرية، تنتج من الفرد كفرد ذي نفس وقلب وعقل (أي إنها ناتجة من المحتوى الداخلي للإنسان) لذا فقد أصبح المحتوى الداخلي سبباً والعقل الظاهري مسبباً. ولا محالة في أن العمل الظاهري يتحدد ويتأقلم بأقليم المحتوى الداخلي للفرد، كالحرارة تـزيد عند زيادة النار وتضعف عند قلتها، فكذلك الصلاة مثلاً، قد تصدر بإخلاص قوي وقد تصدر بإخلاص ضعيف، كما قد تصدر بخشوع كثير وقد توجد بخشوع قليل، وهكذا. إذن فالجزء الأهم والاوكد من العمل (سواء على مستوى الطاعات أو مستوى المعاصي) إنما يتحدد بالباطن (أي أن العمل الظاهري مهما رأيناه لطيفاً محترماً فإنما يتحدد بالباطن) وهو ما أشير له في الحديث بـ (القلب) فيكون المعنى: {أن الله لا ينظر إلى ظاهركم بل ينظر إلى باطنكم}.
فصــل االثاني
العبــادة
س35: هل بإمكان العقل البشري إدراك الحكمة من الأوامر الإلهيـة؟
ج : إن في الشريعة ما هو واضح الحكمة لنا وما هو غامض لا ندرك حكمته، فإن كان واضح الحكمة فالأمر به إنماهو للحصول على تلك الحكمة المطلوبة، ولا إشكال في ذلك. وكذا إذا كان فيه درجة من الغموض. إلاّ أن الأرجح فيه ذلك (أي فيه حكمة معينة قد تخطر على البال) فإننا إن قبلناها كان ذلك كافياً، وإلاّ أمكن التسليم بالحكمة الألهية، وبقصور العقل عن إدراك الواقعيات التي سبقت التشريع تفصيلاً.
س36: إذا لم يتمكن العقل من إدراك أو إحتمال أي حكمة في العمل ، فهل معنى ذلك خلو العمل من الحكمة؟
ج : الأمر ليس كذلك قطعاً، وإنما العمل قد يكون غامض الحكمة بحيث لا يمكن إدراكها. أو قل: إن عقولنا تدرك إن مثل هذه الصفة أو تلك قد لا تكون فيها حكمة على الأطلاق، ومن الصعب تصور وجود أية حكمة.
وعليه, فالنقص في الإدراك لا في نفس العمل.
س37: هل يمكن تطبيق ذلك القول على بعض الأمور الشرعية؟
ج : نعم، فمن تطبيقات ذلك أعداد الركعات في الصلاة، حيث من الصعب تصور لماذا كانت صلاة المغرب ثلاث ركعات والعشاء أربع، بل من الصعب أن نتصور بإدراكنا وجود حكمة في ذلك.
س38: إن وجود الحكمة في العمل إنما وجدت من أجل أن يدركها العقل البشري لكي يطلبها. وإلاّ فإن ذلك سيكون على خلاف الحكمة ال
























