حقيقة الصلاة (المعنى العرفاني) القسم الاول

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 4 آذار 2006 الساعة: 05:30 ص

فصــل الأول
النية
س1: ما معنى النية ؟

ج : للنية عدة معان يمكن أن تراد منها، وهي:

1- النية اللفظية.

2- الإخطار الذهني.

3- القصد.

4- الهدف أو الاستهداف.

5 - الباطن أو المحتوى الداخلي للإنسان، أو قل: النفس والقلب.

س2: ما المراد من النية اللفظية ؟

ج : المراد من النية اللفظية هو: ما ينطقه الإنسان عند إرادة الدخول في الصلاة أو بعض أفعال الحج.

س3: وما المراد من الإخطار الذهني؟

ج : هو تذكر واستحضار مضمون النية اللفظية بدون نطقها.

س4:    وما المراد من القصد؟

ج : هو : أن تعرف انك ماذا تفعل، بحيث لو سُئلت عنه أمكنك الجواب.

س5:    هل معنى القصد شامل لجميع الأفعال؟

ج : نعم، هو شامل لجميع الأفعال الاختيارية القصدية أو المتعمدة.

س6:    ما ورد: من {أن الأعمال بالنيات} هل ينطبق عليه معنى القصد؟

ج : نعم، قد يفسر ذا المعنى من النية هذا القول،فيكون ( إن الإعمال بالنيات) أي بالقصود، فكل عمل لا قصد فيه فهو خال من النية.

س7: وما المراد من الهدف أو الاستهداف؟

ج : المراد هو : ما يقصده الفرد في عمله كنتيجة نهائية.

 س8:    هل يعني إن كان الهدف صالحاً فالنية صالحة و بالعكس؟

ج : نعم، هو كذلك بكل تأكيد.

س9 :   ما ورد: من إن {لكل أمرئٍ ما نوى} هل ينطبق عليه معنى الهدف أو الاستهداف؟

ج : نعم،فأن {لكل امرئٍ ما نوى} أي ما استهدف. فأن أستهدف خيراً رأى خيراً وإن  أستهدف شراً رأى شراً وعاد الوبال عليه.

س10: ما المراد من الباطن أو المحتوى الداخلي أو النفس أو القلب ؟

ج : المراد منه هو: صفاء الباطن أو صفاء النفس أو القلب.

س11: هل معنى ذلك: أن من كانت نفسه صافية وقلبه طاهراً فنيتهُ حسنة، ومن كانت نفسه خبيثة وقلبه غليظاً فنيته سيئة؟

ج : نعم، هو كذلك بلا شك.

س12: ما ورد: من أن {نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق شر من عمله} هل ينطبق  عليه هذا المعنى من النية أو الصفاء الباطني ؟

ج : نعم ينطبق عليه، لان العمل إنما يمثل المحتوى الداخلي للفرد، وهذا المحتوى أهم من  العمل بطبيعة الحال.

س13: ما هي مصاديق صفاء النية وحسنها في الأعمال ؟

ج : صفاء النية وحسنها يمكن أن يفسر بعدة تفسيرات غير متنافية، بمعنى إنها يمكن أن  تصدق جميعاً. وهي:

1- أن يكون العمل خالياً من قصد الإضرار بالآخرين، وبالنتيجة من ظلم الآخرين.

 2- أن يكون العمل خالياً من الأضرار بالنفس،بحسب الواقع سواء عرف الفاعل ذلك أو غفل عنه.

 3- أن يكون العمل خالياً من الهدف السيئ، ولو في المدى البعيد، سواء علم به الفرد أم لم يعلم .

 4- أن يكون العمل ناتجاً من قلب طاهر ونفس صافية.

 5- أن يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع المتزايد بالدنيا وحاوياً على درجة من درجات القناعة.

 6- أن يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع بالدنيا عموماً، وليس فقط بالشيء المتزايد منها، كما في الوجه السابق.

 7- أن يقصد الفرد بعمله تحصيل غفران الله سبحانه وتعالى لذنوبه وستراً لعيوبه.

 8- أن يقصد الفرد بعمله تحصيل رضوان الله سبحانه وليس الغفران فقط، كما في الوجه السابق، لوضوح إن درجة الرضوان أعلى من درجة الغفران.

س14: في الوجه الأول من الوجوه السابقة، لماذا عُدّ الإضرار بالآخرين ناتجاً من سوء النية؟

ج : ذلك لأن الإضرار بمن لا يستحق الضرر واضح الظلم، وقصد الظلم بمن لا يستحق لا يمكن أن يكون ناتجاً من حسن النية ؟

س15: في الوجه الثاني، كيف يمكن للفرد أن يكون قاصداً الإضرار بنفسه أو الظلم لها؟

ج : ذلك لأن عدداً من أعمالنا يبدأ ضررها بنا قبل أن يصل إلى الآخرين، ونحنُ قد لا نكون ملتفتين، فنكون ممن {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} ونكون كما قال عز وجل :{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ولأن النفس تحتاج إلى التربية والعناية، فكل عمل غير موافق لذلك فهو ظلم للنفس.

س16: في الوجه الثالث، لو كان الفرد عالماً بسوء هدفه فهل هناك فرق في الظلم فيما لو كان ملتفتاً أو غير ملتفتٍ؟

ج : إن كان عالماً بسوء هدفهِ ملتفتاً كان ظلمه أكبر، وان لم يكن عالماً ملتفتاً كان ظلمه أقل بطبيعة الحال.ومن هنا قال الشاعر:

إن كنت لا تدري  فتلك  مصيبةً           وإن كنت تدري فالمصيبةُ أعظمُ

س17: ماذا لو كان العمل خالياً من الاستهداف السيئ ؟

ج : إن كان الأمر هكذا، فذلك شكل من أشكال خلوص النية وحسنها بلا شك.

س18: في الوجه الرابع، هل يعني أن أصحاب النفوس الشريرة تكون كل أعمالهم غير نقيه وكل نياتـهم غير حسنة ؟

ج : هذا واضح الصحة بالتأكيد، وذلك لأن أعمالهم ونياتـهم ناتجة من نفوسهم تلك، فهي تمثلها وتعكس شرها بشكل أو بآخر.

 س19: في الوجه الخامس، هل يعني إن الفرد أن كان مستهدفاً للطمع المتزايد بالمال أو الجاه أو السمعة أو السيطرة،كان عمله غير متصف بخلوص النية ؟

ج : هو كذلك إن كان عمله ذاك خالياً من المصلحة العامة.

س20: وكيف يمكن إصابة المصلحة العامة ؟

ج : هذه المصلحة لا يمكن إدراكها إلا بعد المعرفة.

س21: في الوجه السادس، كيف يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع بالدنيا عموماً؟

ج : يكون ذلك بالاقتصار على ضروريات الحياة، والقناعة بها عن الباقي، لتكون النية خالصة، وكل عمل زاد على ذلك فهو عن نية سيئة.

س22: ماذا يتحصل من الاقتصار على القناعة بضروريات الحياة دون طلب الباقي؟

ج : القناعة لا يمكن أن تحصل عبثاً، وإنما تحصل لأجل الحصول على الجانب الآخر من الحياة بمعناها الأوسع، وهو الجانب الأخروي.

س23: الأعمال الحسنة والنافعة للنفس والآخرين عموما، هل هي مرضية لله سبحانه وتعالى؟

ج : نعم بالتأكيد، لأن الأعمال الحسنة والنافعة للنفس والآخرين هي من العبادات المرضية لله سبحانه وتعالى، ولكنه إذا قصد منها ذلك (أعني رضاء الله تعالى)  فستكون أفضل.

س24: هل أن كل الإعمال الحسنة والنافعة تعتبر من العبادات، وتصح بشرط قصد رضاء الله سبحانه وتعالى؟

ج : إن بعض الإعمال مرضيه لله تعالى، وتكون درجتها أعلى إذا قُصدَ منها رضاه جل وعلا، والبعض الآخر من الإعمال لا تصح إلا بقصد القربة، ويدونها تكون باطلة، وبالنتيجة غير مرضيه لله سبحانه تعالى.

س25: ما تلك الأعمال التي يشترط في صحتها قصد القربة ؟

ج : تلك الأعمال هي التي تسمى فقهياً بالعبادات بالمعنى الأخص.

س26: عرفنا من الأجوبة السابقة، إن الأعمال الحسنة تارة تشترط صحتها بقصد القربى (أي العبادات بالمعنى الأخص) وأخرى لا يشترط ذلك في صحتها، فما هو الدليل  على اعتبارها من العبادات مع أن الفقه لم يعتبرها كذلك ؟

ج : من الأدلة على ذلك: أن الأعمال الحسنه كلها مرضيه لله عز وجل، وإن لم يقصد بها القربة بالتفات تفصيلي، لما جاء بالقرآن الكريم من أن الله سبحانه وتعالى {َيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} و {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} و {يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} و{ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} وغير ذلك، ولم يعتبر أن يكون التطهير أو القسط أو الإحسان بقصد قربي أو إلهي ملتفت إليه، بل يكفي فيه ألاّ يكون بهدف سيئ أو نية مريبة. نعم، إذا كان القصد القربى ملتفتاً إليه بوضوح، كان العمل أفضل بلا إشكال.

س27: ما هو المراد من (قصد القربى)؟

ج : قصد القربى التي أشترطها الإسلام في العبادات لا بدّ أن نستبعد منها قصد التقرب المكاني و الزماني والدنيوي، وكل أمر ثبت بالدليل القطعي أن الله سبحانه وتعالى  يجل عن الاتصاف به. إذن فالقرب بهذه المعاني غير مقصود لا محالة، وكل من قصدها فقصده باطل، ومن ثم تكون عبادته باطلة لا محالة، فقصد القربى هو: (التقرب المعنوي)  إضافة إلى الجواب السابق.

س28: ما المقصود من القرب المعنوي من الله سبحانه وتعالى ؟

ج : يمكن انطباق معنى القرب من الجانب المعنوي على عدة أمور ذكرَ أكثرها الفقهاء المتأخرون منها:

 1- قصد الثواب الأخروي .

 2- خوف العقاب الأخروي .

3- قصد الشكر على نعم الله سبحانه وتعالى التي لا تحصى .

4- قصد التقرب المعنوي أليه سبحانه بالتكامل إلى المقامات العالية .

5- قصد امتثال أمره التشريعي في الكتاب و السنة .

6- قصد تطبيق العبودية لله سبحانه وتعالى .

7- قصد الحصول على رضاه أو رضوانه جل جلاله .

 إلى غير ذلك من القصود الصالحة .

س29: هل هناك مقاصد للقربى إذا قصدت في العمل العبادي أشكلت في صحته ؟

ج : نعم، هناك عدة مقاصد يمكن أن تكون تفسيراً لقصد القربى ،ولكن يشكل صحة العبادة بها، بل لا أشكال من فساد العبادة إن قصد بعضها، بالرغم أن بعضها أو الكثير منها هي مقاصد صحيحة بنفسها، ولكن لا ينبغي أن تكون دخيلة في العبادات بألمعنى الأخص.فمن ذلك ما يلي :

 1- قصد غفران الذنوب وستر العيوب.

 2- قصد الحصول على الثواب الدنيوي.

 3- قصد الحصول على الثواب المعنوي في الدنيا.

 4- قصد المصلحة الاجتماعية العامة.

 5- قصد دفع واجتناب البلاء الدنيوي.

 6- قصد دفع واجتناب البلاء المعنوي في الدنيا.

 7- قصد الشكر على نعمة معينة، فإنها تكون عندئذ ( صلاة شكر ) لا ( صلاة ظهر).

 8- قصد الحصول على نعمة معينة، كشفاء مريض أو عودة مسافر .

 9- قصد الحصول على أثر دنيوي معين، كالرياضة في الصلاة والتنـزه في الحج وتنظيم الجهاز الهضمي في الصوم.

س30: ما المراد من الثواب الأخروي والعقاب الأخروي ؟

ج : الثواب الأخروي هو أي درجة من درجات الجنة، و العقاب الأخروي، هو أي درك من دركات جهنم .

س31: وما المراد من الثواب الدنيوي والبلاء الدنيوي ؟

ج : الثواب الدنيوي مادي ومعنوي، أما الثواب المادي فهو سعة الرزق وإطالة العمر. وأما الثواب المعنوي في الدنيا، فهو صفاء النية ونور الوجه وحسن ظن  الآخرين بالفرد.

والبلاء الدنيوي كذلك مادي ومعنوي، أما البلاء المادي فهو الذي ينـزل أو يحصل عادة كعقاب مؤقت على الذنوب كالمرض أو الفقر. وأما البلاء المعنوي  في الدنيا،فهو سوء السريرة وظلام القلب أو الوجه أو سوء ظن الآخرين به .

س32: هل القاصد من عبادتهِ هدفاً معيناً حصل عليه ؟

ج : نعم هو كذلك، و لا يكون مستحقاً لما فوقه. فلو قصد من عبادته سعة الرزق، أتسع رزقه ولم يكن له ثواب الآخرة، ومن قصد في تأليف كتاب السمعة، حصل له ذلك ولم يكن له الثواب الأخروي وهكذا. لأنه يقال له في يوم القيامة {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}.

س33: إذا كان الأمر كذلك وهو الصحيح بلا شك، فبماذا تنصحون المؤمنين ؟

ج : من الأرجح للفرد المؤمن أن يدع مقدار ثوابه على عمله الصالح موكولاً إلى رحمة الله سبحانه التي وسعت كل شيء والتي لانهاية لها،كما لانهاية لكرمه  سبحانه ولا مانع لعطائه.

 س34: فيما ورد من {أن الله سبحانه لا ينظر إلى صوركم بل ينظر إلى قلوبكم}.ما هو التفسير الأرجح لهذا الحديث ؟

ج : تفسير ذلك: بما أن لظاهر الإنسان عبادته و معاصيه أمام الله سبحانه وتعالى، فكذلك المحتوى الداخلي للفرد له أيضاً طاعاته ومعاصيه أمام الله سبحانه وتعالى، بل هي أهم من الطاعات المعاصي الظاهرية كما سنعرف. فالطاعات الظاهرية: هي إطاعة الأوامر والمرجحات الشرعية الظاهرية، كالصلاة والصوم والصدق. وغيرها كثير. والمعاصي الظاهرية: هي عصيان تلك الأوامر و النواهي، كشرب الخمر والكذب والغيبة والزنا. أما الطاعات الداخلية أو الباطنية: فهي ما يخص العمل النفسي أو القلبي للإنسان، وليس له أثر مباشر على الجسد. كالإخلاص والصبر والتوكل والتوحيد وغيرها . والمعاصي الداخلية: هي ما يقابل ذلك، كالحسد والجشع والرغبة في الحرام والشرك وغير ذلك. وإذا عرفنا أن العبادات الظاهرية، تنتج من الفرد كفرد ذي نفس وقلب وعقل (أي إنها ناتجة من المحتوى الداخلي للإنسان) لذا فقد أصبح المحتوى الداخلي سبباً والعقل الظاهري مسبباً. ولا محالة في أن العمل الظاهري يتحدد ويتأقلم بأقليم المحتوى الداخلي للفرد، كالحرارة تـزيد عند زيادة النار وتضعف عند قلتها، فكذلك الصلاة مثلاً، قد تصدر بإخلاص قوي وقد تصدر بإخلاص ضعيف، كما قد تصدر بخشوع كثير وقد توجد بخشوع قليل، وهكذا. إذن فالجزء الأهم والاوكد من العمل (سواء على مستوى الطاعات أو مستوى المعاصي) إنما يتحدد بالباطن (أي أن العمل الظاهري مهما رأيناه لطيفاً محترماً فإنما يتحدد بالباطن) وهو ما أشير له في الحديث بـ (القلب) فيكون المعنى: {أن الله لا ينظر إلى ظاهركم بل ينظر إلى باطنكم}.

 

                فصــل االثاني

العبــادة

 

س35:  هل بإمكان العقل البشري إدراك الحكمة من الأوامر الإلهيـة؟

ج : إن في الشريعة ما هو واضح الحكمة لنا وما هو غامض لا ندرك حكمته، فإن كان واضح الحكمة  فالأمر به إنماهو للحصول على تلك الحكمة المطلوبة، ولا إشكال في ذلك. وكذا إذا كان فيه درجة من الغموض. إلاّ أن الأرجح فيه ذلك (أي فيه حكمة معينة قد تخطر على البال) فإننا إن قبلناها كان ذلك كافياً، وإلاّ أمكن التسليم بالحكمة الألهية، وبقصور العقل عن إدراك الواقعيات التي سبقت التشريع تفصيلاً.

س36: إذا لم يتمكن العقل من إدراك أو إحتمال أي حكمة في العمل ، فهل معنى ذلك خلو العمل من الحكمة؟

ج : الأمر ليس كذلك قطعاً، وإنما العمل قد يكون غامض الحكمة بحيث لا يمكن إدراكها. أو قل: إن عقولنا تدرك إن مثل هذه الصفة أو تلك قد لا تكون فيها حكمة على الأطلاق، ومن الصعب تصور وجود أية حكمة.

وعليه, فالنقص في الإدراك لا في نفس العمل.

س37: هل يمكن تطبيق ذلك القول على بعض الأمور الشرعية؟

ج : نعم، فمن تطبيقات ذلك أعداد الركعات في الصلاة، حيث من الصعب تصور لماذا كانت صلاة المغرب ثلاث ركعات والعشاء أربع، بل من الصعب أن نتصور بإدراكنا وجود حكمة في ذلك.

س38: إن وجود الحكمة في العمل إنما وجدت من أجل أن يدركها العقل البشري لكي يطلبها. وإلاّ فإن ذلك سيكون على خلاف الحكمة ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حقيقة الجهاد (الفهم العرفاني)

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 3 آذار 2006 الساعة: 22:43 م

الجهاد المعنوي

س 1:  كل فرد يفهم عن (الجهاد) فما هي الفكرة الواقعية منه؟

ج : تحتوي فكرة الجهاد على (محاولة دفع الصعوبة بصعوبة ضدها).

س2 : إذا كانت فكرة معينة ذات طرفين أحداهما لا صعوبة فيها, فهل تكون  مطابقة لفكرة الجهاد؟

ج : إذا لفم تكن صعوبة في أحد طرفين أو كلاهما لم يكن جهاداً, كما لو كان دفع الشر سهلاً أو كان الشر المدفوع بسيطاً؟

س3 : ما المقياس في كون أحد الطرفين صعباً أو بسيطاً؟

ج : المفروض أن يكون الشر المدفوع أو الذي يراد دفعه أو أسلوب الدفع أن يراه الفرد شراً أو أن يراه صعباً, سواء كان مصيباً في وجهة نظره أم مخطئاً. فإذا لم يكن شراً لم يكن عمله ضده جهاداً. كما لو لم يكن يراه صعباً. كما لو كان صابراً عليه أو متماهلاً في دفعه, لم يكن جهاداً.

س4 : إذن ما النظرة الحقة في كونه جهاداً حقاً؟

ج: إعلم, أن المهم هو محاولة دفع الصعوبة بصعوبة, مع حسبان الصعوبة المقابلة شراً, وإن كان الفرد مخطئاً في نظره.

س5 : أورد ما يؤيد هذا؟

ج :من ضمن ما ورد {اللهم إلعن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت على قتله} لأن وجود الحسين ع كان صعباً على أعدائه, وربما حسبوه شراً عليهم, لأنه يحاول فضحهم وإزالة ملكهم.

س6 : على هذا نفهم أن أية فكرة يحسبها الفرد شراً ويحتاج دفعها إلى صعوبة فهو جهاد بغض النظر عن كونها حقاً أو باطلاً؟

ج : ليس الأمر كذلك بل أن المهم في الجهاد هو أن يكون الطرف الآخر شراً وباطلاً حقيقةً (أي من وجهة نظر الدينية والإلهية) ومن هنا يمكن تعريفه بإنه (محاولة دفع الشر الصعب بصعوبة).

س7 : هل يعتبر النجاح في محاولة الدفع حتى يصح أن يكون جهاداً؟

ج : لم يؤخذ في هذه المحاولة أن تنجح وإن كان هو الغالب, بل يعتبر الفرد مجاهداً وأن فشل, كما لم يؤخذ في الشر المدفوع أو المكروه نوع يصف من الشر. ومن هنا أمكن تقسيمه إلى أقسام عديدة, يعتبر السعي لدفعها بأي أنواعها جهاداً مطلوباً في الشريعة والعرف, وهذه الأقسام هي:

أولاً: الكفار, لأجل إدخالهم في الإسلام أو تحت سيطرة الإسلام.

ثانياً: الكفار, لأجل دفع شرهم عند الهجوم على المجتمع المسلم, والخوف على بيضة الإسلام وكما يُعبرون.

ثالثاً: المسلمون المحاربون للحق, وهم البغاة المذكورون في قوله تعالى:{فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}.

رابعاً: الفقر, ودفعه لأجل التوسعة على العيال جهاد.

خامساً: الشيطان, فإن محاولة دفع كيده ووسوسته جهاد.

سادساً: النفس الأمارة بالسوء, فإن محاولة كبحها وقمعها وكبت سيطرتها جهاد, بل هو أعظم الجهاد. وفي الرواية أنه{الجهاد الأكبر} وإن الشجاع من قدر على كبح نفسه.

سابعاً: حاجة المحتاجين في المجتمع, فإن السعي لقضائها وإنجابها جهاد, على أن لا يختص بواحد بل يكون الفرد متصدياً للمجتمع ككل فيكون مجاهداً.

ثامناً: الجهاد لدفع مظالم المظلومين أينما كانوا ومهما كانت ظلامتهم, وبأي أسلوب مشروع تحت محاولة دفعة.

تاسعاً: الجهاد للدفاع النظري عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين وتنوير من كان متصفاً منهم وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.

عاشراً:الجهاد في تحمل المصاعب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكرفي داخل المجتمع المسلم وتركيز طاعة الله سبحانه وتقليل العصيان فيه.

وقد نستطيع أن نجد موارد أخرى للجهاد, لا حاجة الآن إلى إستقصائها.

س8 : هل ورد في القرآن الكريم معنى الجهاد وفق المعاني المارة الذكر؟

ج : نعم, فالجهاد ضد الحق مشارٌ إليه في قوله تعالى:{وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما}.

وجهاد النفس الأمارة بالسوء مشارٌ إليه في عدد من الآيات كقوله تعالى :{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا}وقوله:{ومن ةجاهد فإنما يُجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين}. وجهاد الكفار لأجل إضالهم في سيطرة الإسلام في قوله تعالى:{يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلض عليهم}.

وجهادهم النظري لأجل دفع مكرهم وشباهاتهم في قوله تعالى:{فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً}. والضمير في (به) يعود إلى القرآن الكريم. وفيه من العلوم الكافية لغنى البشرية ودفع كل شُبهة.

وجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه مُشارٌ إليه في قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}. وقد ذكرنا في كتاب (الزكاة المعنوية: أن سبيل الله هو سبيل الخير).

 فاما جهادالبغاة فقد أشرنا إلى ذكره في القرآن الكريم. وجهاد الشيطان ومُدافعته وضرورة عصيانه مذكورٌ في كثير من آيات القرآن الكريم, منها قوله تعالى:{ياأبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً, ياأبتِ إني أخافُ أن يمسك عذابٌ من الرحمن فتكون للشيطان ولياً}. وقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان, ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر. ولولا فضل الله عليكم ورحمته مازكى منكم من أحد أبداً}.

وقوله تعالى:{إستحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر الله أولائك حزب الشيطان ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون. إن الذين يحادون الله ورسوله أولائك في الأذلين كتب الله لإغلبن أن ورسلي أن الله قوي عزيز}.

وأما الجهاد له حاجة المحتاجين, سواء في عائلة الفرد أو المجتمع. فيشمله قوله تعالى:{لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة. وكلاً وعد الله الحسنى وفضل المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً}.

بعد الإلتفات إلى أن الجهاد بالأموال قد يكون متضمناً إلى الجهاد بالنفوس وقد يكون منعزلاً عنه. كما أن فكرة الجهاد بالأموال تشمل الجهاد في بذله. والجهاد في تحصيله لدى الضرورة إليه.وأما الجهاد في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فموجود في كثير من آي القرآن الكريم منها قوله تعالى:{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أولائك هم المفلحون}. وقوله تعالى:{ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات أولائك من الصالحين}.

وقوله تعالى:{ كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتأمنون بالله. ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. لن يضروكمن إلا أذاً وأن يقاتلوكم بولوكم الأدبار ثم لا ينصرون}.

الأمر الذي يكشف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يصل إلى درجة القتال الفعلي والجهاد المقدس. واما الجهاد النظري للدفاع عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين, فهذا هو من الأمر بالمعروف وتشمله نفس الآيات السابقة. مضافاً إلى قوله تعالى:{ فلولا كل نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم وإذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}.

س9 : ما يهمنا حقيقة من موارد الجهاد والذي نحسبه الأهم بالنسبة لباقي الموارد التي تكون كلها معتمدة عليه ومتأصلة منه هو جهاد النفس. فهل لنا أن نعرف شيئاً منه؟

ج : روي بمضمون أنه: حين رجع أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من إحدى غزواته المهمة كبدر أو أحد قال لهم (ص): رجعتم من الجهاد الأصغر وبقي عليكم الجهاد الأكبر, قيل:وما الجهاد الأكبر يارسول الله؟ قال: (جهاد النفس).

ومن هنا أصطلح المتشرعة على جهاد الأعداء بـ(الجهاد الأصغر) وعلى جها النفس بـ(الجهاد الأكبر). ولا شك أن هولاء الأصحاب قد أندهشوا من كلام النبي(ص) بعد مجاهدتم الأعداء وتحملهم ألآم الرماح والسيوف وإنتصارهم على المئات والألوف,ومع ذلك فإنه (ص) يسمي ذلك الجهاد بالجهاد الأصغر. ويكون شيء آخر أكبر منه وأهم هو الجهاد الأكبر. فماذا هو الأهم من الحرب الطاحنة واللآلآم المدمرة؟‍‍‍ ‍ومن هنا قالوا له بدهشة وذهول (وماهو الجهاد الأكبر يارسول الله).

س10 : مالذي يجعل جهاد النفس أهم من الحرب أو الجهاد الأصغر؟

ج : ذلك من حيث أن جهاد النفس يختلف عن جهاد الغير بعدة نقاط منها:

1-           إن العدو قد يموت بضربة أو ضربتين,فحين أن النفس لا تموت بعشرات الضربات.

2-           إن العدو يمكن أن تفارقه, فلا تراه ولا يراك. في حين لا تستطيع أن تفارق نفسك طرفة عين.

3-           إن العدو قد تكون ضربته عليك خفيفة أو يمكن تجنبها والإبتعاد عنها. وهذا غير ممكن بالنسبة إلى النفس.

4-           إن العدو ذو وجهة نظر معينة ورأي واحد أو عدو محدود من الأراء أو الإقتراحات, في حين أن النفس تتدخل في كل شيء وتعطي رأيها في القليل  والكثير.

5-           إن العدو قليل المعرفة بقدرتك أو لا يدرك مخططاتك. في حين أن النفس تدرك كل ذلك بل يمكن أن تكون هي من وضعت بعض ذلك.

6-           إنك تحس إن العدو هو غيرك وإنه منافسك أو يريد بك الضرر. في حين لا تحس نفس الشيء لنفسك. بل هي أنت, فأآراء نفسك هي آرائك. ولا يمكن أن تكون مضرة لأن الفرد لا يريد الضرر لنفسه.

7-           إن العدو قد أتخذ رأيه بروية وتفكير وتعقل, في حين إن النفس تصر على بعض الأمور لمجرد الهوى والشهوة. ومن هنا قيل:(إن الشهوات لا عقل لها) بل تريد إشباع نفسها بكل صورة ومن هنا تصدق الحكمة القائلة:( عدو عاقل خير من صديق جاهل).

8-           إن العدو يمكن أحياناً أو في كثير من الأحيان المكر به والخديعة له. في حين لا يمكن ذلك للنفس, لأن الإنسان لا يمكر لنفسه وإذا حصل منه ذلك فإن نفسه تفهمها, لإنها حاضرة لديه.

9-           إنك تشعر أنك تشمئز من عدوك ولا تحبه. في حين تحب نفسك وتشفق عليها وندأب في توفير متطلباتها.

10-     إن الفرد يمكنه التقصي عن آراء الآخرين والخلاص منها بعصيانها أو الإبتعاد عنها أو الهرب منها. في حين لا يتوفر ذلك بالنسبة إلى النفس.

11-     إنك ترى إن آراء عدوك أياً كانت فهي باطلة ومزعجة. ولا أقل إنك ترى آراء الآخرين قابلة للنقد والمناقشة. في حين لا ترى في آراء نفسك أية مناقشة أو إزعاج. لإنها أرائك أو أنت مقتنع بها وواثق بصحتها وراكن إليها.

س11 : ما الأدراك المتحصل من هذه المزايا؟

ج : هذه الأحد عشر مزية من مزايا النفس عن الآخرين من أعداء وأصدقاء ندرك أنه لم يكن جهاد النفس مقنعاً للكثيرين ولا يؤمنون به إلا القلة القليلة من البشر.

ومن هنا أيضا ندرك إنه لم يكن جهاد النفس ناجحاً ومنتجاً, أو قل سريع النجاح والإنتاج بل غالباً ما يفشل تماماً أو غالباً. وندرك أيضا كون جهاد النفس صعباً وفضيعاً يكفي أن النبي (ص) في الرواية: أعتبره الأكبر. في حين أعتبر المقارعة بالسيوف هو الأصغر والأهون والأخف.

س12 : إذن يمكن أن يمثل جهاد النفس لمواجهة التنين الخرافي ذو الرؤؤس السبعة المذكور في بعض الكتب؟

ج : لا يبعد ذلك, إذ كلما قطعت منه رأساً تنبت فوراً له في محله سبعة رؤؤس.

ولن يموت ما لم تعرف مقتله, يعني محل ضربته القاتلة التي لا قيام له بعدها. هذا إذا لم تفر منه وتكف عن قتاله أو تضعف عن مبارزته أو تسلم إليه أو يعضك عضة يدعك بها ثقيل الظهر قليل العرض.  ولهذا صح القول المسموع (أنجح الناس من جاهد نفسه ) والقول (أعدى اعدائك نفسك التي بين جنبيك).

س13 : كيف أمكن أن يكون عدو الفرد نفسه؟

ج : عداوتها ليست قليلة ولا هينة, لأنها لو أعطى الفرد لها الفرصة وأرضى لها الرسن فإنها توقعه في أضرار الدنيا والآخرة. وأكيداً إن ما من شأنه أن يضرك فهو عدوك. ومن هنا كانت عداوة النفس.

ويكفي في ذلك ما عرضناه من أن الشهوات لا عقل لها. إذن فالنفس لاعقل لها. والنفس غير العقل في باطن الإنسان. إذن فهي تريد متطلباتها مهما ترتب على ذلك من أضرار في الدنيا أو في الآخرة ومن هنا ورد في الدعاء في وصفه أثر النفس لها{تسلك بي سبيل الهالك وتجعلني عندك أهون هالك}.

س14 : إذن ما المفروض على الفرد تجاه تلك الأمور؟

ج : المفروض في الفرد إذ كان فاهماً لخير دنياه وآخرته أن يحكم عقله في نفسه, لا أن يُحكم نفسه في عقله, يعني أن لا يجعل النفس هي السيد والعقل هو العبد, بل العقل هو السيد على النفس.

فبالرغم من أنه من السهل في نظر الفرد أن يكون عقله عبداً لنفسه ومنقذاً لأغراضها ولذاتها ألا أن المفروض في ذلك هو العكس, وهو أن يُحكم عقله في نفسه ويكبح به شهواتها ولذاتها, ويأخذ منها سيادتها على العقل وإن أبت ذلك وتمردت عليه.

وبالأحرى فإن المفروض بالفرد أن يُحكم المصلحة الواقعية لذاته وينجزها, فإن وجد ذلك في إحكام عقله أخذ بها, وإن وجدها في احكام مجتمعة وتصرف طبقاً لها. وإن وجدها في أحكام دينه سار عليها. ومهما يكن من حال فليس لنفسه فيها نصيب.

س15 : ماهو الحد أو الفاصل الذي يميز حكم العقل عن حكم النفس. إن في بعض الأحيان إن لم يكن كلها. لا يستطيع الفرد أن يميز بإن هذا الحكم هو عقلي أو ان هذا الحكم هو حكم نفسي؟

ج : هذا أمر مهم لا يجب أو يجب أن لايهمله الفرد, وهو ظاهرة موجودة في كل الأفراد إلا من عصمه الله. وهو: ان النفس يمكنها أن توهم الفرد أن حكمها هو حكم العقل فيجب الأخذ به: أو أن تأخذ بحكم العقل فعلاً. ولكنه قد يكون حكماً خاطئاً, أو أن تستخدم العقل لأجل تذليل مصاعب شهواتها واهدافها الدينية, كمكن يفكر ويخطط بعقله لأجل أن يسرق أو أن يزني أو أن يشرب الخمر(وهذا من أهم وأخطر المزايا التي تجعل النفس أشدا خطراً من العدو) وفي كل ذلك سيلبس الحكم ثوب كونه عقلياً, ويتخذ بنظر صاحبه قدسية وأهمية, فيتحمس من أجله, في حين أنه قد يكون هاجس نفسه أو شيطانه.

وهذا غير مسألة إلتفات الفرد إلى أن الحكم يجب أن يعطى أو يكذب, إذا لم يثبت أنه من العقل, أو إذا ثبت كونه من النفس. فإن أغلب الأفراد لا يؤمنون بذلك ولا يلتفتون إليه, بل يجدون أغلب طموحاتهم ورغباتهم مشروعة وواجبة, التنفيذ. ويعتبرونها حاجة ضرورية لا بد من السعي لإنجازها.

س16 : كيف يمكن للفرد أن يفصل بين الحكمين؟

ج : إن الفرق بين حكم العقل وحكم النفس لاينبغي أن يخفى. فإن النفس ليس لها أحكام نظرية, وإنما هي الرغبة والشهوة والطمع. وأوضح أمثلته الجوع والعطش والغضب. فكما قد يستهدف الفرد شرب كأس من ماء قد يستهدف الشهرة أو السرقة أو الأستماع إلى أُغنية.

س17 : التخطيط لاإنجاز تلك الأهداف هل هو من أحكلم النفس؟

ج : القول: بأن التخطيط لإنجاز ذلك هو من أحكام النفس غير صحيح. لأنه إنما من أحكام العقل. وهو حكم بذلك بصفته عبداً للنفس ومنفذاً لأغراضها, ولكن نسبته إلى النفس مجازي. لأن لها نحو من التسبيب لها.

س18 : إذن هل ما يقال عادة من أن الحيوان لا عقل له إطلاقاً؟

ج : وهذا غير صحيح أيظاً إطلاقاً, بل له مقدار من العقل مايزجي به حوائج نفسه ويحفظ به حياته. ولو لم يكن له عقل إطلاقاً, لما فهم كيفيته تلافي جوعه وعطشه وشهوته الجنسية. ولما أدرك طعامه وشرابه ومنامه. في حين أننا نرى الحيوانات تتصرف في مثل ذلك بشكل جيد نسبياً, وهذا علامة وجود العقل عندها لامحالة. وإن لم يكن بطبيعة الحال كالعقل البشري من حيث التعقل والتدبر للإمور بالدقة, ولو كانت الشهوة فيه وحدها لقتلته‍.

س19 : أنواع الجهاد التي عرفناها هل هي كلها مرضية الله تعالى؟

ج : إعلم, إن كل أنواع الجهاد الحق إنما تكون حقاً ومرضية لله سبحانه فيما إذ كانت مصداقاً وتطبيقياً لجهاد النفس, فإن جهادها يورث القناعة بالواقع الشخصي والرضا بالقدر والقضاء.

فإذا حصل ذلك كان الفرد مقتنع بحاله الصعبة التي هو فيها والتي دخلها مرغماً أو محرجاً, كالفقر أو الحرب أو المرض أو اية مصاعب أو بلاياً في الدنيا. فيستطيع أن يقدم قناعته بصحة ذلك أمام الله سبحانه. فيكون على حق من زاوية توافق رضاه مع رضى الله سبحانه حيث إختيار له هذا النوع من البلاء. لا أنه يسخط ويتمرد على شيء يرضاه سبحانه في خلقه. فإذا لم يحصل الرضا والتسليم, كان الفرد في الباطل ولم ينفعه الجهاد والبلاء الذي هو فيه. بل زاده شراً في الدنيا والآخرة. وإن كان (الجهاد في نفسه حقاً).

س20 : هل معنى ذلك أن الجهاد الأصغر إنما يصلح ويرتكز على الجهاد الأكبر؟

ج : هو كذلك, فإن الجهاد الأصغر يعود في معناه إلى الجهاد الأكبر, أو هو جزء منه, ولو لم يكن جزءاً منه لم يغد العبد تواباً إطلاقاً. ومن هنا ورد:{لا فتنة أعلى من السيف}لأن مؤداه التضحية بالنفس كاملة لله سبحانه وتعالى.

ومن المعلوم أن الرضا بذلك والتسليم له من أفضل العبادات, بل هو أفضلها على الإطلاق, سواء حصل فعلاً أم لا. ومن هنا قيل:{الجود بالنفس أقصى غاية الجود}.

س21 : كيف أمكننا القول بأفضلية جهاد النفس على باقي موارد الجهاد؟  

ج : لإنه كما يمكن أن يهب الفرد نفسه كاملة لله عز وجل, يمكن أن يهب بعض صفاته أيضاً, كالصحة يتحمل المرض, والغنى بتحمل الفقر, والزواج بتحمل العزوبية, وغير ذلك كثير, كل حسب حاله. على معنى الرضا والتسليم بتلك الحال التي أختارها الله تعالى له.

س22 : ما البلاء الأصعب الذي يمكن أن يتحمله في الدنيا؟

ج : ما يمكن أن يتحمله الفرد من البلاء الصعب في الدنيا, إما أن يكون إضطراري وإما أختياري. وكلاهما ينقسم إلى قسمين, فالأضطراري ينقسم إلى:

أولاً: ما يتسبب من المؤثرات الخارجية القهرية, كالمرض أو الجرح أو الرض نتيجة السقوط مثلاً.

ثانياً: مايتسبب من فعل الآخرين, وهو في الغالب البلاء الأصعب والأهم. فإن (البشر يؤذي بعضهم بعض لا محالة) ما دامت أنفسهم أمارة بالسوء فعلاً. ومن هنا نسمع بعضنا يدعو لبعض (كفاك الله شر بني آدم), فلو أستجاب الله هذا الدعاء زال حوالي تسعين بالمئة من مصاعب الدنيا.

وعلى أي حال, فكلا النوعين من البلاء يجب امام الله أن يواجهه لضروب الرضا والتسليم.

أما الإختياري فينقسم إلى:

أولاً: ما يفيد الآخرين.

ثانياً: مالا يفيد إلا نفس الفرد.

فإفادة الآخرين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبالحرب والجهاد عند حصول مشروعيتها, وبذل المال في سبيل المصالح الخاصة للآخرين, كالتزويج, أو المصالح العامة لهم, كبناء مستشفى أو مسجد فإذا أدى الفرد مثل هذه التضحيات راضياًُ لله عز وجل كان سعيداً وشهيداً في الدنيا والآخرة.

وإفادة النفس تكون بما يسمى بالرياضات الروحية التي يتكفلها الفرد لنفسه, كالجوع والعطش والسهر, والناس في ذلك مختلفون, فمنهم من يتحمل الرياضات الشدي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

اول الدين معرفته

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 3 آذار 2006 الساعة: 22:38 م

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله حق حمده والصلاة على أشرف خلقه وعلى آله وصحبه.

قال الأمير عليه السلام في خطبة له

{أول الدين معرفته}

تمهيد:

قال دام عِزّه: قبل الدخول في هذا المبحث أود التنبيه إلى مسألة مهمة قد يغفل عنها البعض, وهي أن أصول الدين (العقائد) لا يجوز التقليد فيها, وهذا أمر اتفق عليه علماء الإمامية (أعزهم الله) فمثلاً؛ قال العلامة جمال الدين الحلي (قدس) في الباب الحادي عشر: (أجمع العلماء كافة على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية, وما يصح عليه وما يمتنع عنه, والنبوة والإمامة والمعاد بالدليل لا بالتقليد, فلا بدّ من ذكر ما لا يمكن جهله على أحدً من المسلمين, ومن جهل شيئاً من ذلك خرج عن ربقة المؤمنين واستحق العقاب الدائم..) وكلامه (قدس) واضح لا يحتاج إلى بيان.

كذلك هناك شئ آخر وهو؛ أنه كمالا يجوز التقليد في أصول الدين, فإنه لا يجوز التقليد في الفروع, وإنما يكون التقليد في جزئياتها. فمثلاً؛ إن تقليدنا للمرجع في الصلاة لا يعني إننا نقلده في وجوب الصلاة بما هي صلاة, وإنما تقليدنا له في كيفية أدائها وما يجب وما لا يجوز فيها وما يبطلها, وغير ذلك من الأمور. ولذلك قال الفقهاء (رضوان الله عليهم) في رسائلهم: (يجب على كل فرد غير مجتهد في سائر الأمور والأعمال من عبادات ومعاملات عدا ما علم حكمه في الشريعة من القطعيات والضروريات) والقطعيات والضروريات هي الأصول والفروع. فنحن لا نقلد المجتهد لأنه يقول مثلاً؛ أن الصوم أو الصلاة واجبان على كل مكلف, لأن أمر الوجوب صادر من المولى سبحانه وتعالى قبل المجتهد.

وعلى هذا فاعلم؛ أن الاجتهاد في أصول الدين هو (استفراغ الوسع وبذل الجهد والسعي الحثيث لمعرفة المولى سبحانه) وهذا إنما يكون مستنداً إلى ما بيّّنه الحق على ألْسِنة الأنبياء والمرسلين والأوصياء (عليهم السلام)  منطلقاً من جهة الإبداع  المودعة في الإنسان من قِبَل المولى جل وعز, أعني الفطرة. قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم: من الآية30) فهي النبي الباطني كما يُعبر عنها, وهي فيما يُقابل النبي الخارجي صاحب التشريع وهم (الأنبياء عليهم السلام).

فالفطرة مع التشريع يمكن أن نمثلهما بالشعاع والبصر, فبصر الإنسان نقول عنه (الفطرة) والشعاع هو (نبي ظاهر مرسل) أي التشريع. وإذا لم يكن هناك بصر لا يستطيع الإنسان الرؤية, وعند ذلك لا يهم أَوجِدَ الشعاع أم لم يوجد, بمعنى إذا لم تكن هناك فطرة أو كانت غير سليمة فلا يؤثر وجود النبي (التشريع) قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً}(الإسراء:72)  وقال سبحـــانه: { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(الحج: من الآية46), وكذا الحال إذا كان هناك بصر سليم من غير إشعاع, لأن الرؤية السليمة سوف لن تتحقق, وهذا من شروط الرؤية, كما يقرّها علماء الأبدان, بمعنى أنه لو كانت هناك فطرة من دون تشريع يوجهها بالوجهة الصحيحة فلا يتحقق الوصول إلى الغاية وإلى المعرفة الحقة للمولى جل وعلا, قال تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ }(المائدة: من الآية35). وعليه فالفطرة والتشريع شيئان متصلان لا ينفك أحدهما عن الآخر.

فإذا أردنا التدين بدين الحق الذي أوله معرفة الحق تعالى لقوله عليه السلام: {أول الدين معرفته} فعلينا أن نأخذ تلك الأصول من صاحب التشريع, صاحب الدين الحق, صاحب الفطرة السليمة والحجة البليغة, وهو النبي لمصطفى صلوات الله عليه وآله وأوصياؤه عليهم السلام من بعده, ولا نأخذ ما نظنه وما نتصوره, لأن {الظن لا يُغني من الحق شيئاً} قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه}(الجاثـية: من الآية23) كما لا يجوز لنا أن نتقول على الحق ولا على أهل الحق.

فالمسلم يستقي عقيدته من الله سبحانه وتعالى عن طريق محمد صلى الله عليه وآله.

أما أن يستند المرء إلى عقله القاصر أو إلى فطرته الملوثة ثم يصدر حكمه في مسألة عقائدية فهذا ما لا يجوز إطلاقاً {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}(المائدة: من الآية44) ولذا قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}(الحشر: من الآية7) وقال صلى الله عليه وآله في خطبة له: {يا أيها الناس إنكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يُبليان كل جديد ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود, فأعدوا الجهاز لبعد المجاز} فقام إليه المقداد بن الأسود وقال له: يا رسول الله ما (دار هدنة)؟ فقال صلى الله عليه وآله: {دار بلاغ وانقطاع, فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع, من جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار, وهو الدليل يدل على خير سبيل, وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل, وله ظهر وبطن, ظاهره حكم وباطنه علم, ظاهره أنيق وباطنه عميق, لا تُحصى عجائبه ولا تُبلى غرائه, وفيه مصباح الهدى ومنار الحكمة ودليل على المعرفة}. فلماذا نترك القرآن الذي هو أشرف الكتب السماوية, وفيه تفصيل لكل شئ, وفيه تبيان لكل شئ, ولا تفريط فيه لأي شئ؟!

وهذا القول يصدق على الثقل الثاني الذي هو عِدلُ القرآن بنص قول الرسول صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين: {إني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض..}.

كما إن العترة تشمل عترته صلى الله عليه وآله بالمعنى الأخص, أعني المعصومين بالعصمة الواجبة المنصوص عليهم من قِبَله صلى الله عليه وآله, وعترته بالمعنى الأعم, وهم الذين ساروا على هدىً من ربهم وحذوا حذو الرسول وأوصيائه صلوات الله عليهم وتمسكوا بهما حتى عُصِموا بالعصمة الثانوية.

فكل من جعل القرآن والنبي وعترته دليله وقائده دخل في عترته صلى الله عليه وآله وأصبح من أهل بيته, كسلمان المحمدي (رض) {سلمان منا أهل البيت} مع العلم أن سلمان لا يتصل بنسب مع النبي, وإنما اتصاله به صلى الله عليه وآله سببي, وهو أهم وأوثق وأبقى, وهو الاتصال المثمر المنتج للكمالات العالية والدخول في جنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

أما صلة النسب فلا يمكن القياس عليها. فكم من متصل برسول الله صلى الله عليه وآله وهو أبعد ما يكون عن خُلقه, وكم من متخلق بأخلاقه صلى الله عليه ولا يرتبط مع النبي صلى الله عليه وآله. فأبو لهب وهو عم الرسول صلى الله عليه وآله كان عدو لله ولرسول ونزلت سورة في حقه هو وزوجته, وبلال الحبشي وهو عبد من الحبشة لا يتصل برسول الله صلى الله عليه وآله بأية صلة تجده كان قريباً منه ومؤذنه الخاص.

ولذا قال صلى الله عليه وآله: {أنا جد كل تقي} فالتقوى هي الصلة وهي الحَسَب والنسب وهي المعنية بقوله صلى الله عليه وآله: {كل حسب ونسب ينقطع يوم القيامة إلاّ حسبي ونسبي} وأمته صلى الله عليه وآله هي من تتبعه وتنهل من معينه الذي لا ينضب وتهتدي بنوره وتتأسى به {لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(الأحزاب: من الآية21) وهي الأمة التي عناها صلى الله عليه وآله بقوله لعلي عليه السلام: {يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة} أما من جحد وكفر وسار في طريق غير طريقهم عليهم السلام واتخذ أهوائه مُرشداً له ودليلاً أو اتخذ من غيرهم مثلاً أعلى يحتذي به فهو ليس من أمته صلى الله عليه وآله, وأن كان في التكوين منه. قال تعالى مخاطباً نوح عليه السلام حينما سأله عن ابنه الغريق: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}(هود: من الآية46). وهذا له بحث خاص مستقبلاً إن شاء الله.

وقد ورد عن المعصوم عليه السلام في حديث له عن القرآن: {من أخذ دينه من كتاب الله وسنة  نبيه صلى الله عليه وآله زالت له الجبال قبل أن يزول, ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردّته الرجال}.

وعلى أساس كل ذلك وغيره فمن أراد أن يعبد الله حق عبادته ويخلص له حق الإخلاص فعليه أن يسعى جاهداً في طلب العلم, ومعرفة كيفي وقوع العبادة على الوجه الصحيح وبما يضمن له فراغ الذمة, وهذا يستلزم معرفة المعبود الذي تستحق له العبادة وحده, ولذا قال الأمير عليه السلام لذعلب اليماني حينما سأله (هل رأيت ربك؟) فقال له: {ويلك لم أكن بالذي يعبد رباً لم يره} فالأمير  عليه السلام عرف وعبد {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}(الأعلى:15) ولذا قال المعصوم عليه السلام: {من علم عمل} من حيث أن المعرفة هي التي تقرر طبيعة وكيفية العمل الواجب الإتيان به (أي العبادة) فهي مقام العمل.

وإلى هذا أشار الأمير عليه السلام في خطبته {أول الدين معرفته} فالمعرفة, أعني معرفته سبحانه مُقَدَمة على العمل, قال تعالى: {وَمَا خ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أنواع معرفة النفس

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 3 آذار 2006 الساعة: 22:22 م

أنواع معرفة النفس‏



·                 ما هو دور معرفة الإنسان ونظره إلى النفس والعالم بمستقبله وحياته؟

·                 ما هي أنواع معرفة النفس؟

·                 أين يكمن خطأ ديكارت في رفعه للشكوك من خلال "أنا أفكر" ؟

·                 ما الفرق بين معرفة النفس الفلسفية والعرفانية؟

·                 ما هي أرقى أنواع معرفة النفس؟

·                 بماذا يفترق تألم العارف عن تألم الفيلسوف للحق؟

·                 ما هي الأسفار الأربعة؟



بين معرفة النفس ومعرفة العالم

إنّ الإنسان مدعوٌ لمعرفة ذاته والعالم، لما في ذلك من أثرٍ على كلّ جوانب حياته.

فالقران كتاب تربيةٍ وليس فلسفةً نظريةً لا انعكاس له على واقع الحياة. فمن عرف نفسه من أين، وفي أين، وإلى أين؟ يكون قد حدّد موقعه بدقّةٍ على خريطة الوجود، لكي يوصل نفسه إلى المنزلة السامية التي تليق به.

إنّ سعادة الإنسان وكماله يكمن في مدى إطلاعه ومعرفته بنفسه وبالعالم، وكلّ من هاتين المعرفتين حائزٌ على درجةٍ من الأهمية، لكن أيهما أهم من الاخر؟

هنا يكمن الصراع مع الفلسفات والمدنية الغربية، حيث أعطت درجةً كبيرةً من الاهتمام لمعرفة العالم ممّا أدى إلى نسيان النفس وانهيار الإنسانية في الغرب.

وقد سلّط الضوء على ذلك زعيم الهند (المهاتما غاندي) ناقداً أفضل من الجميع الثقافةَ الغربية ومشيراً إلى ما نتج عن نسيان النفس "وعندما يفقد الإنسان روحه ماذا ينفعه فتح العالم" (1).

ومن المحتمل أن يكون أحد وجوه الاختلاف هو أسلوب التفكير الشرقي وأسلوب التفكير الغربي، كما أن أحد وجوه اختلاف العلم والإيمان، هو أن العلم أداة للإطلاع على العالم، بينما الإيمان رأس ماله الإطلاع على النفس.

ولو أعطينا لمعرفة النفس اهتماماً أكثر أو معرفة العالم أكثر أو اهتممنا بهما بشكل متساوٍ فإن المتيقّن هو اتساع حياة الإنسان باتساع معلوماته، والأوعى تكون روحه أكبر، ويكون حيويّاً أكثر، والفلاسفة يعتبرون الروح حقيقة مشككة ذات مراتب ودرجات، فكلما تسمو معرفة الإنسان بنفسه تسمو درجة حياته وروحيته بالتدريج.

 

أنواع معرفة النفس

ويسعى العلم ليطلع الإنسان على نفسه كما أطلعه على العالم، لكن المعلومات التي يقدمها العلم ميتة لا تبعث الحماس في القلوب ولا توقظ الطاقات الكامنة في الإنسان، بخلاف المعلومات التي يقدّمها الدين عن النفس، والتي تؤسّس بالإيمان، فإنها تلعب وجود الإنسان وتزيل عنه الغفلة، وتشعل الطاقات المختبئة فيه لتصل إلى أسمى مراتبها وكمالها.

وليس المراد من معرفة النفس الإنسانية هو معرفة النفس الروتينية في دفتر النفوس، ولا البيولوجية التي لا يفترق فيها عن الحيوانات إلا باستقامة القامة، بل هي " الروح الإلهية"  الذات التي تشعر بالشرف والكرامة، وتعتبر نفسها أسمى من أن تخضع للرذائل، وعندئذٍ يدرك الإنسان قدسيّتها، ويفهم للمقدّسات الأخلاقيّة والإجتماعيّة معنىً وقيمةً.

والنفس التي ينبغي على الإنسان التعرّف عليها ولا ينبغي الغفلة عنها هي تلك النفس التي نبّه الله تعالى في كتابه على عدم نسيانها:

(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (2).

ولكي يتضح الغرض أكثر نشير إلى أنواع معرفة النفس:

 

1  معرفة النفس الفطرية

فالإنسان يعرف نفسه بالذات، وهو قبل أن يعرف أي شي‏ء غير نفسه يدرك نفسه بالوجدان وبالعلم الحضوري على حدّ تعبير المناطقة، وهذا النوع من الإدراك والمعرفة لا مجال للشك فيه لأن الواعي والوعي شي‏ء واحد، وظهور الذات عين ظهور الوعي.

 نعم، بعد أن يدرك الأمور الخارجية يجد نفسه شيئاً من هذه الأشياء، فهو يدرك في هذه المرحلة ذاته بالعلم الحصولي وعلى نحو صورة مرتسمة في الذهن، فيكون الواعي وهو الذات غير الوعي وهو الصورة المرتسمة في الذهن، وفي هذه المرحلة يمكن حصول الشك بل والخطأ، وبهذا البيان يظهر بوضوح خطأ ديكارت (3) لأن "أنا موجود" لا يقبل الشك لنحاول رفعه عن طريق "أنا أفكر".

 

2  معرفة النفس الفلسفيّة

حيث يقوم الفيلسوف بالبحث عن النفس الإنسانية ماهيتها وحقيقتها، هل هي جوهر أم عرض؟ ماديّ أم مجرّد؟ موجودة قبل الجسم أم معه؟ باقية بعد فناء الجسم أم لا؟ وأمثال هذه الأمور. وسيأتي الكلام عنها أكثر عند الحديث عن معرفة النفس العرفانية.

 

3  معرفة النفس العالميّة

وهي المعرفة في صلة النفس بالعالم، من أين أتت؟ وأين هي الان؟ وأين تذهب؟ فيكتشف الإنسان أنه جزء من هذا العالم الكبير، تابع له، ولم يأتِ ولم يذهب ولم يعش لوحده.

وهذه المعرفة التي أشار لها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله:

"رحم الله إمرءً علم من أين وفي أين وإلى أين؟".

وهذه المعرفة تلهب روح الإنسان في البحث عن الحقيقة، تؤلمه تعطّشاً للبحث عن اليقين، فتوجد في وجدانه الشك لتجرّه من جهة إلى جهةٍ سعياً للوصول إلى الإطمئنان وراحة البال.

 

4  معرفة النفس الطبقية

وهي المعرفة في صلة النفس بالطبقة الإجتماعية التي يعيش بها، ولذا تعدّ هذه المعرفة صورة من صور معرفة النفس الإجتماعية، وكل إنسان  شاء أم أبى  يعيش في طبقة من الطبقات ولون من ألوان الحياة.

وبعض الفلسفات التي ترى أن الركيزة الأساس في بناء المجتمع هي "الإقتصاد"، يكون الحاكم الأصلي على الفرد هو المصالح المادية، والذي يعطي لأفراد مجتمعٍ ما "الوجدانَ المشترك" و"الذوقَ المشترك" و"الحكمَ المشترك" هو الحياة المادية والمصلحة المشتركة، ولذا نجد  بناءً على هذه النظرة الفلسفية أنّ معنى معرفة النفس الطبقية هو "معرفة الربح"، وهذه النظرة ستكون سبباً لأن يرى الإنسانُ العالمَ والمجتمعَ من منظاره الخاص، ويفسره تفسيراً خاصاً، ويكون ألمه وهمّه وتحيزه وجهده الإجتماعي طبقياً (4).

 

5  معرفة النفس القومية

وهي المعرفة في صلة النفس مع الناس الذين تربطه بهم رابطة قومية وعنصرية، على أثر الحياة المشتركة بينهم، بقانون مشترك واداب ورسوم وتاريخ ولغة مشتركة، حيث يكون للشعب الواحد " نفس"  كما للفرد " نفس" ، ويمكن القول أنّ معرفة النفس القومية تعني معرفة الثقافة والشخصية القومية.

إن هذه المعرفة وإن لم تكن من مقولة معرفة الربح ولكنها لا تخرج عن مقولة الأنانية من هذه الأسرة، ولها جميع عوارض التعصب والعجب وحبّ النفس وغض النظر عن عيوبها، ولذا فهي كمعرفة النفس الطبقية تفقد الجانب الأخلاقي تلقائياً.

 

6  معرفة النفس الإنسانية

وهي المعرفة في صلة النفس في جميع الناس، وهذه المعرفة ترتكز على الفلسفة القائلة أنّ الناس يشكّلون بمجموعهم وِحدة واقعية، ويتمتّعون "بوجدان إنساني مشترك".

إنّ فلسفة الهيومانيسم (النزعة الإنسانية) التي ترى الإنسانَ فوق الطبقات والقوميات والأديان والثقافات والألوان، وتعتبره وحدةً واحدة وتنكر أي تمايز واختلاف، وكذا الفيلسوف "اوغست كونت"  الباحث عن "دين الإنسانية"، وكذلك البيانات الصادرة عن لجنة حقوق الإنسان، تعتمد وتدعو جميعُها إلى هذا النوع من المعرفة النفسية.

ويدّعي دعاةُ هذه المعرفة أنه إذا حصلت هذه المعرفة للإنسان فسيكون ألمه ألماً إنسانياً وسعيه وجهده وتحيّزه كلّه إنسانياً وأخلاقياً، ويصبغ حبّه وبغضه بصبغة إنسانية، فيحبّ أصدقاءَ الإنسان أي العلم والثقافة والصحّة والرفاه والحريّة والعدالة، و… ويكره أعداءَ الإنسان أي الجهل والفقر والظلم والمرض و….

وهذه المعرفة وإن كانت فوق القوميّة والطبقية وتظهر منطقيةً أكثر من غيرها، إلا أنها أُمنية لا واقعية، وذلك لأن الناس إذا وصلوا إلى مرحلة الإنسانية وشكّلوا جسداً وا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

زكاة النفس

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 3 آذار 2006 الساعة: 21:16 م

س1: ما المعنى المراد من الزكاة؟

ج : الزكاة هي الكثرة والطيبة. وبمعنى آخر يكون ذلك (زكا الشئ أي كثر وزاد وطاب وطهر) ولا تنافي بينهما.

س2: وهل هذا المعنى ينطبق على كثرة  أو كثرة الشر؟

ج : كلا, إنما موردها منحصر بموارد الخير ولا تشمل موارد الشر.

س3: في جواب السؤال الأول قلتم: بأن الزكاة هي الكثرة والطهارة, وقد تبين انحصار الكثرة في جانب الخير, فهل يمكن الجمع بين مفهومي الكثرة والطهارة؟

ج : نعم يمكن الجمع هذين المفهومين بالقول: بأن الزكاة هي: كثرة الطيبة والطهارة أو كثرة الخير وزيادته. بمعنى أن كثرة أي شئ إنما يمثل جانب الخير في هذا الكون.

س4: على هذا, فهل يمكن أن نسمي الطيبة زكاة؟

ج : يمكننا ذلك وإن لم يكن فيها كثرة. إلاّ أن الصحيح: إن مجرد حصول الطيبة هي زيادة بالمعنى المعنوي.

س5: ورد في القرآن الكريم قول الله عز وجل: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} أي زكّا النفس. فما معنى زكاة النفس؟

ج : إن زكاة النفس هي: التسبيب إلى تحليتها بالفضائل وتخليتها من الزذائل وصلاحها من كل زيغ ورين, ومن ثمة الإتجاه بها نحو الكمالات.

س6: هل هذا القسم من الزكاة هو عينه زكاة الأعمال؟

ج : نعم هذا القسم هو: زكاة النفس وزكاة الأعمال (بالمعنى المعنوي).

س7: هل لزكاة النفس والأعمال ترابط مع التشريع؟

ج : إن كل التشريعات السماوية بصورة عامة والإسلامية بصورة خاصة إنما سُنت وطُلبت من الناس, فلأن الله سبحانه وتعالى يريد التكامل المعنوي والصعود إلى درجات المغفرة والثواب.

 واعلم بأن التشريع لا يرتبط بالله في نفع ولا ضرر, لأنه لا تضره ذنوب عباده, ولا تنفعه طاعتهم, وإنما أمرنا ونهانا لمصالحنا, ولأنه لا يريد لنا إلاّ الأفضل {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} أي لعباده كما في نص القرآن الكريم.

س8: نحن نعرف بأن التشريع ذكر (زكاة المال وزكاة الأعمال) وهي بالتأكيد ذو تأثير نفسي, أي أن دفع المال وأداء الأعمال ثقيل على النفس. فهل يمكن توضيح ذلك؟

ج : بالتأكيد؛ زكاة المال وزكاة الأعمال بصفتها أصل التشريعات المهمة في الدين فإنما شُرعت لأجل حصول زكاة النفس وتكاملها. وكذل كل أشكال الأداء المالي في سبيل الله سبحانه بصفته محتوياً للتضحية والصبر في سبيل الله وفي سبيل تنفيذ إرادته وتشريعاته.

وكذا في زكاة العمال, سواء على المستوى الواجب أو المستحب, فإنه أيضاً لأجل زكاة النفس وتكاملها وطهارتها المعنوية.

س9: نفهم من ذلك (أي من كون التشريع الظاهري ذو تأثير معنوي) فكيف يمكن فهم ذلك؟

ج : يمكن تقسيم التعاليم الدينية إلى قسمين:

الأول: إلى عبادات وغيرها, ويراد بالعبادات ما يؤثر قصد القرة في كمالها لزوماً أو استحباباً, وإلى واجبات غير عادية, أي التي تكون بغير قصد القربة.

الثاني: إنقسامها إلى ما يكون خاصاً بين العبد وربه, وإلى ما يكون شاملاً للآخرين من أفراد المجتمع. ويمكن أن نسمي الأول (الواجبات الفردية) والثاني بـ(الواجبات الاجتماعية).

وبضرب التقسيمين ببعضها ينتج أربعة أقسام:

1-         الواجبات الفردية العبادية, إما لزوماً كالصلاة والصوم, وإما استحباباً كالإعتكاف.

2-         الواجبات الفردية غير العبادية, كالتطهير بالماء.

3-          الواجبات الاجتماعية غير العبادية, كصلة الرحم.

4-    الواجبات الاجتماعية العبادية, إما لزوماً كالزكاة الواجبة والفطرة والخمس وأضرابها, وإما استحباباً كالصدقات الأخرى وقضاء حاجات المحتاجين.

س10: الواجبات الاجتماعية بكلا قسميها تحتاج إلى أفراد آخرين غير من يعطي الزكاة  والفطرة والخمس. من هم هؤلاء الأفراد وما صفتهم؟

ج : هنا نحن نشير إلى مستحقي الزكاة بنص القرآن الكريم, وهم (الفقراء والمساكين) وهم ضعاف الحال التي تكون الزكاة هي موردهم الرئيسي أو الثانوي لسد النقص.

س11: ما الفرق بين المسكين والفقير؟

ج : الفقير والمسكين هما لفظين دالان على الفقر عملياً, إلاً أن الفقير قد يكون عزيزاً وشريفاً في قومه, فهو المقصود من اللفظ الأول (الفقراء). وقد يكون الفقير ذليلاً, يعني من الطبقة المتدنية في المجتمع.

ومن المستطاع القول بأنهم كلهم فقراء فعلاً, فيكون المراد هو الإشارة إليهم في الآية الكريمة في قوله: {الْمَسَاكِينِ }.

س12: إذا فهمنا من الزكاة المعنى المعنوي فيكون من اليسير أن نفهم من الفقير والمسكين الأمر المعنوي بالتأكيد, ولكن نسأل هنا: هل وردت إشارة إلى الزكاة المعنوية في القرآن الكريم؟

ج : قد وردت مثل هذه الإشارة في عدد من آيات القرآن الكريم منها:

قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} وقال أيضاً: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم * الله يُزَكيْ مَنْ يَشَاء} وهنا ينبغي الإلماع إلى أمر مهم هو: المشهور إن الإشارة في هذه الآية الأخيرة هي على ادعاء الزكاة والصلاح للنفس قبيح. وهذا غير صحيح, إنما الصحيح: أن زكاة الفرد لنفسه دون الأخذ منه سبحانه لا يُعطي الثمرة المطلوبة, بل العمل على تزكية النفس لا بدّ أن يكون بتسديد منه عز وجل.

  س13: وهل يصلح هذا المعنى على زكاة المال وغيرها, فتكون متصفة بهذه الصفة؟

ج : لا يصلح هذا القسم من الزكاة أن يتصف بهذه الصفة ما لم ترجع إلى الزكاة المعنوية, باعتبارها معمولة بقصد سبيل الله سبحانه, وإذا أُتيت هكذا فستكون سبباً لطهارة النفس وتعميق صفة الصبر والتقوى فيها. قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} فسواء كان المراد إن الطهارة بدفع الزكاة تكون للأموال أو أنها تكون للنفوس, فإن المراد بها على أي حال هو (الطهارة المعنوية الناتجة من الزكاة).

وإن كان الأقرب للفهم إن المراد بها طهارة النفس, لكن نسبته إلى الدافع لا إلى المال بقوله: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}.

س14: هل هذا الفهم هو الذي أخذ به الراغب الأصفهاني في (المفردات) بقوله: (كل عبادة وتقرب إلى الله تعالى يوجب زكاة النفس وترقيتها في عالم الكمال)؟

ج : هو ذاك لا ريب.

س15: الآن فهمنا الزكاة المعنوية. فهل لنا التعرف على مستحقيها؟

ج : المستحق للزكاة المعنوية ذو جانب معنوي معنوي أيضاً, وقد أشير إلى هذا بقوله تعـالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. وكل ما في الأمر أن بعض الناس لا يشعر بهذه الصفة (الفقر إلى الله وحده) ولا يعيشها وجداناً. والبعض الآخر يشعر بها ويعيشها.

واعلم؛ أن هذه الصفة هي صفة واقعية بنص القرآن و (الشعور بها وجداناً نحو من الأدب أمام الله سبحانه وإلتزام بالواقع) فيكون مثل هذا الشعور مقدمة لنيل العطاء الإلهي, قال تعـالى:  {إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ  فَضْلِه} يعني أنهم إذا لم يكونوا فقراء ولم يشعروا في أنفسهم بهذه الصفة لم يكونوا مستحقين للعطاء. وبهذا يتبين معنى استحقاق الزكاة أكيداً أيضاً. هذا معنى صفة الفقر.

س16: عرفنا معنى الفقير واستحقاقى للزكاة, فما معنى المسكين؟

ج : يمكن أن نفهم هذه الصفة معنوياً (وقد قلنا بأنها فقر مع ذلة) فيكون المسكين هو (الذلة أمام الله سبحانه وتعالى)  إذ ليس للإنسان أن يقدم غير الذلة والعبودية والخضوع أمامه جل جلاله, وهذا ولضح وبين إن تفهمت!

س17: قلتم أن (الفقر والمسكنة) لله مُبتنى على استشعار أو الشعور بذلك, فكيف إذا انتفى ذلك الشعور؟

ج : هنا ينبغي أن نقسم الفقر والمسكنة إلى قسمين:

القسم الأول: صفة دنيوية وصفة أخروية, أو قل: اجتماعية ومعنوية.

القسم الثاني: صفة ثبوتية وصفة إثباتية, يعني صفة واقعية يتصف بها الفرد حقيقةً, وصفة إثباتية مُدَّعاة للفرد يشعر بها في وجدانه.

وبضرب التقسيمين تكون الأقسام أربعة:

1-         الفقر والذلة الدنيوية (من ناحية واقعية) أي اتصاف الأفراد بها, وهي التي تكون موضوعاً لاستحقاق زكاة المال وسائر الصدقات.

2-    الفقر والذلة الأخرويين أو المعنويين (من الناحية والواقعية) أي اتصاف الفرد بها, وهي أمر ثابت لكل الخليقة بغض النظر عن مراتبها وخصائصها.

3-    الشعور بالفقر والذلة الأخرويين أو المعنويين, وهما (الموضوع المتكامل للعطاء  الإلهي المعنوي) وباصطلاح المتشرعة: (عليه ثواب جزيل).

4-    الشعور بالفقر والذلة الدنيويين وإبرازهما أمام الآخرين بصدق الشكوى أو الترحم ونحو ذلك, وهذا القسم مذموم. قال تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِم ُ الذلَّةُ الْمَسْكَنَة} ويراد من الذلة هنا (الصفة الواقعية) ومن المسكنة (اظهارها للآخرين) وفي الحديث :{كَادَ الفَقْرُ أنْ يَكوْنَ كُفْرَا}.

س18: ليس كل الأفراد فقراء أو مساكين, وهذا واضح, فإذا لم يكن الفرد متصف بالفقر أو المسكنة فماذا ستكون صفته؟

ج : صفة الفقر تقابلها صفة (الغنى) كما تقابل صفة المسكنة صفة (العزة) إذاً فمن لم يكن فقيراً هو غنياً, ون لم يكن مسكيناً هو عزيزاً أكيداً.

س19: هل تلكم الصفتين (الغنى و العزة) لها مراتب أو أقسام كما للفقر والمسكنة؟

ج : نعم, فكلاهما ينقسمان أيضاً بنفس التقسيم السابق للفقر والمسكنة, فتكون بذلك أقسامها أربعة أقسام أيضاً وهي:

1-    الغنى والعزة الدنيوية (من ناحية الصفة الواقعية), ويراد هنا من الغنى الثروة, ومن العزة الأهمية والشرف في المجتمع, ولكل منهما نتائجها كما لا يخفى.

2-    الشعور بهذه الصفات الدنيوية لمن يكون متصفاً بها, وهو أمر مذموم. فمن ذمّ الشعور بالغنى قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}. ومن ذمّ الشعور بالعزة قوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ} وهو نفس التكبر والاستكبار المذموم في القرآن, لأنه قد ينتج, بل غالباً ما ينتج التكبر عن الحق والهدى, فيقع الفرد في الضلالة والعصيان, قال تعالى: {لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} وقال: {فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} وقال: { فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ} وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}.

3-    الاتصاف الواقعي بالغنى والعزة المعنويين. أما الغنى هنا فهو إما بمعنى الاستغناء عن آمال الدنيا وآلامها والإعراض عن حبها. وهي (صفة لله) لو نظرت بالمعنى الكامل, باعتباره سبحانه مستغنياً عن كل خلقه {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}. وأيضاً هي (صفة للمؤمنين) باعتبار استغنائهم بالله سبحانه عن الدنيا وما فيها. وإما أن يكون الغنى بمعنى القناعة, كما ورد بمضمون أنه (إذا ظهر القائم ملأ الله قلوب أمة محمد (ص) غنى) ولم يقل جيوبهم أو بيوتهم.

وأما العزة فهي (الغنى المطلق) وهي صفة منسوبةإلى الله سبحانه وصفةً له فهو {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} و {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}.

وبمعنى أدني من ذلك هي منسوبة إلى المؤمنين, قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ}  وقال: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} يعني أن العزة الحقيقية للمؤمنين هي المستقاة من عزة الله سبحانه وليست باعتبار الأمور الدنيوية وأضرابها. وفي بعض النصوص: {فَبِعِزَّتِهِ يَعْتَزُون}.

4-    الشعور بالغنى المعنوي والعزة المعنوية, فإن كان ذلك ثابتاً كان مثل التكبر, بل هو التكبر بعينه, لا يختلف عن الاستكبار الدنيوي بشئ معتد به. (وإن كان منسوباً إلى الله سبحانه دائماً فأكرم به وأنعم).

س20: على ما تقدم, ما الذي يُفترض على الفرد ليكون بالمستوى الأحسن؟

ج : المفروض بالمؤمن (الشعور بالذلة في الدنيا) قال تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} فتنبه لذلك, إذ أن العزة في الآية المباركة باعتبار الاستغناء عن الكافرين أو باعتبار (إن التكبر على المتكبر عبادة).

 س21: تذلل الفرد أما الآخرين في الدنيا لا يتوافق مع الذلة أمام الله سبحانه وتعالى, فكيف نوفق بين هذين المفهومين؟

ج : اعلم؛ أن التذلل أمام المؤمنين وأمام ذوي الحق هو بحد ذاته تذلل لله سبحانه, قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}.

س22: إذا كان كذلك, أي محمودية التذلل في الدنيا وفق الاعتبار المذكور, فهل يكون محموداً في الآخرة؟

ج : الذلة (المعنوية) في الدنيا مطلوبة ومحمودة, أما في الآخرة فمذمومة, قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا } وأهل جهنم عموماً أذلاء مذمومون, قال تعالى: {يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً}.

س23: هل بالإمكان الوقوف على مفهوم لكل تلك الموارد تجنباً للخلط والتخبط بين المفاهيم؟

ج : نعم, فما على الفرد, أو قل: الواجب على العبد أن يقدم أمام الله الذلة والخضوع (ليتصف بالعزة) كما في الحديث القدسي: {مَنْ تَواضَعَ لِي رَفَعْته}. وكذا يمكن أن يقال: (من تذلل لله عز وجل أعزه).

والذلة لها معنى العبودية لله سبحانه, وهي بالمعنى المتكامل أفضل من النبوة والرسالة, وقد ورد أنه: {جَعَلَنيْ عَبْدَاً قَبْلَ أنْ يَجْعَلَنيْ رَسُوْلاً} كما قال تعالى: {عَبْدُهُ وَرَسُلُهُ} ومن المعروف أن المتقدم أفضل من المتأخر, وهنا قدم الله سبحانه العبودية على الرسالة, فتدبر.

س23: وهل وردت آيات تشير إلى أفضلية العبودية عموماً؟

ج : نعم, قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} وقال على لسان ابليس: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} وقال: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} وغير ذلك الكثير من الذكر الحكيم.

س24: فيما سبق ذكرتم عناوين لمستحقي الزكاة وهم (الفقراء والمساكين) فهل هنالك عناوين أخر؟

ج : اعلم أنه من جملة العناوين المستحقة للزكاة و (يجوز صرفها عليهم) هم (العاملون عليها).

س25: وما صفة العاملون عليها؟

ج : هم: جباة الزكاة وجامعيها من مالكيها بإذن الحاكم العادل (هذا بنظر المتشرعة). أما مع فهما للجانب المعنوي للزكاة كان للعاملين عليها أمر معين من حيث أن الإنسان إما أن يزكي نفسه بالعمل الصالح, وإما أن يزكي غيره بالهداية والتعليم. إذن فالعاملون على الزكاة المعنوية منقسمون إلى (من يصلح نفسه) وإلى (من يصلح غيره) وكلاهما مستحق لها.

أما من يصلح نفسه, فباعتبار أنها هي النتيجة الطبيعية أو الحقيقة لعمله. وأما من يصلح غيره, فباعتبار أن التعليم والهداية بنفسه عمل من الأعمال الصالحة, ينتفع بها كما ينفع بها غيره.

مضافاً إلى أن تعليم الغير (نافع للمعلم) فكرياً وعقلياً أيضاً, فإنه كثيراً ما يكون موجباً لإنفتاح الذهن على عدد من الحقائق والأفكار لم يكن ملتفتاً إليها فيما سبق.

س26: قال تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} فكيف يتفق هذا مع القول بتزكية النفس؟

ج : إن الذم في الآية الكريمة راجع إلى (بيان مدح النفس وذكر ميزاتها) وهو ممنوع أخلاقياً. أما بالنسبة إلى (التكامل) فهو مسلم الصحة وواضح الإنتاج, وفي الحكمة (إن القدم الأولى من العبد والباقي من الرب) وقال تعالى: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ولا يُحتمل حصول الرحمة والثواب بدون العمل. إذن فالمراد من تز

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تطهير النفس

كتبها الشيخ مهدي يونس ، في 3 آذار 2006 الساعة: 21:16 م

        بسم الله الرحمن الرحيم

{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}                  صدق الله العلي العظيم

 

 

الفصل الأول

 

س1: ذكرت الآية المباركة (أصناف) مستحقي الخمس, وكان الله سبحانه أحد تلك الأصناف, فما علاقته سبحانه وتلك الأصناف؟

ج : قد فسرت السُنة الشريفة هذه الأصناف في الآية المباركة بأن: ما كان لله فهو لرسوله, وما كان للرسول فهو لذي القربى وهو الإمام المعصوم عليه السلام, وما كان للإمام فهو لنائب الإمام  القائل بالولاية الخاصة والعامة.

وما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل فهو مشروط بأن يكونوا من بني هاشم, ولا يجوز إعطاؤه لغيرهم (كما لا يجوز إعطاء الزكاة إليهم) فلاحظ!

س2 : وهل الآية تدل على وجوب الدفع أم على الملكية؟

ج : لا تدل الآية على وجوب الدفع, بل على ملكيتهم في العين بهذا المقدار من الكسر العشري. وعليه فيجب دفع ما يملكونه إليهم, بمعنى أن المستحق هو المالك الأصلي لذلك الجزء وليس الدافع, من حيث أنه يجب إيصال كل مُلك إلى مالكه.

س3 : ما المراد من الغنيمة؟

ج : فسرت السنة المعتبرة الغنيمة بـ(مطلق الغنيمة), يعني: كلُ مالٍ يدخل في ملكية الإنسان مجدداً, ولا تكون خاصة بالغنائم الحربية الجهادية .

س4 : هل يعني ذلك شمول الغنيمة للهدية وأرباح السنة وغيرها؟

ج : هي كذلك أصلاً.

س5 : الآن, هل يُمكن التقدم خطوة واحدة إلى باطن الآية لكي نستفيد من الجهة الأخلاقية؟

ج : مثل هذا الباطن يحتاج إلى مفتاح يدل عليه, وطريق يوصل إليه. وأهم تلك الطرق وأسهلها هو: إظهار فشل الفهم الظاهري للآية لينسحب عن الميدان, ويحل محله الفهم الآخر الذي يصبح عند ذاك مُبَرهناً ومفهوماً أيضاً. إذ يمكن أن يرد على الفهم المشهوري للفقهاء بعض الإيرادات  :

الوجه الأول : بيان الوجه في فتح همزة (أن) في قوله تعالى { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } فإن ذلك يبقى بلا وجه في هذا الفهم المشهوري, وكل فهم أوصلنا إلى تفسير ذلك يكون هو الأولى والأوفق بظاهر القرآن الكريم.

الوجه الثاني : إن العطف يكون حسب القواعد بـ( تقدير تكرار العامل) فما هو العامل المكرر بالعطف في قوله تعالى { وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى }؟

فإن قُلت : هو اللام.

قُلنا : كلا, فإن هذا ظاهر وليس بمقدر, فنحتاج إلى عامل مقدر غيره.

فقد تقول: إن المقدر هو المبتدأ أو أسم (إن), يعني : وخمسه للرسول وخمسه لذي القربى.

وعندئذ يكون من الممكن أن كل هذه الأخماس على كونها خمساً واحداً, بل يتعين أن يكون متعدداً على إيضاح (سيأتي بعونه تعالى).

س6: إن الظاهر هو: تكرار نفس المدلول, فلا يكون المراد منه متعدداً؟!

ج : لو كان هكذا للزم تعدد ملكية المال الواحد لمالكين متعددين (وهو محال فقهياً), إلاّ أن يُحمل على معنى قد نشير إليه في الأوجه التالية.

الوجه الثالث: إنه قال: { إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ } وهي جملة شرطية, وفعل الشرط موجود. وأما جوابها فيعرف مما قبله, أي { ّفلِلَّهِ خُمُسَهُ } وهذا مُتعين على القاعدة.

 ومعنى ذلك: إنكم إذا لم تكونوا آمنتم فليس لله خمسه, أو أن الحكم بوجوب دفع الخمس غير ثابت, لأن المشروط لزم عند عدم الشرط, وهذا غير محتمل فقهياً.

…………………………………………………………………………..

 إنما نذكر هذه الاستدلالات والوجوه لكي يتضح المعنى المراد من الآية المباركة, وذلك بتجريدها من المعنى الظاهري, وثبوت المعنى الباطني, لإثبات وتحقق المعاني الباطنية للآيات الكتاب.  

الوجه الرابع: علاقة الخمس بالقتال, فإنه يقول: { يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } فيختص الخمس بغنيمة الحرب,

وهو على خلاف مشهور فقهائنا.

فإن قلت: فإن فُسر بالأخبار المُعتبرة بكل غنيمة؟!.

قُلنا: إذا اقتصرنا على هذا المقدار من التفكير لم تكن هذه الأخبار معتبرة, لأنها مخالفة لظاهر القرآن, وما خالف القرآن سقط عن الحجية.

س7: فلأي من هذه الوجوه الأربعة, فضلاً عن الجميع يكون فهمنا للآية الكريمة؟

ج : هنا لا بدّ أن نستأنف فهماً جديداً للآية الكريمة, مع اعترافنا بأن ظاهرها المشهوري هو الصحيح والمتعين فقهياً.

وهنا أيضاً ينبغي أن نلتفت إلى فكرة مقابلة لتلك الفكرة الموجودة في السنة الشريفة والتي تقول: {ما كان لله فهو للرسول وما كان للرسول فهو للإمام} وهذا صحيح, إلاّ أننا مع ذلك يمكن أن نقول العكس من حيث أن: ما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل فهو للإمام, وما كان للإمام فهو للرسول, وما كان للرسول فهو لله.

فرجعت الأشياء كلها لله سبحانه فأن بيده {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ}.

س8: وما المعنى الذي يمكن فهمه من الآية المباركة؟

ج : يكون المعنى المختصر للآية الكريمة: (أن كل غنيمة وعطاء ظاهري ومعنوي أو دنيوي وأخروي فهو لله سبحانه في المرتبة الأولى والأعلى والأكثر واقعية).

س9 : إذاً من هو الفاعل والمؤثر؟ ومن هو المنفعل والآخذ؟

ج : إن تنزلنا عما قلنا في الجواب السابق والذي قبله قلنا : أن ملكيته مقسمة خمسة أقسام (لله, و للرسول, و لذي القربى, و للمساكين, و لأبناء السبيل) أما اليتامى فيمكن إدراجهم ضمن المساكين. فيقسم جميع ذلك بين هؤلاء الخمسة بصفتهم فاعلين ومؤثرين لا بصفتهم منفعلين وأخذين (كما هو ظاهر الشريعة) وهذا كما ذكرنا في الوجه الثاني السابق.

س10: هل يمكن إعطائنا بياناً أكثر عن ذلك؟

ج : ذلك ممكن, إذ يمكننا أن نفهم منه: أن كلي العطاء منوط بهذه المؤثرات أو الأسباب الخمسة (كلٌ بحياله واستقلاله) بحيث يصلح أي واحد منها أن يكون مؤثراً.

وهذا العطاء (التأثير) أيضاً يحتاج من جانب الفرد إلى مزيتين لا يمكن أن يناله بدونهما وهما:

(الإيمان والجهاد) بمعناهما الظاهري أو الباطني. ومن هنا يرتبط صدر الآية بنهاياتها {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ………. َيوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}.

س11: نقف هنا ونسأل سؤالاً هو: أما تسبيب الله ورسوله فقد عرفناه لأنه تعالى يقول: {أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} فما هو الوجه في تسبيب المساكين وأبناء السبيل وأضرابهم؟

ج : أقول: إن الآية ميزت بين الصنفين, فصنف اعتبرته المسبب الأعلى, وهم الثلاثة الأوائل في الآية, وصنف اعتبرته المسبب الأدنى, وهم الثلاثة المتأخرون فيها. بدليل عدم تكرار (اللام) وتغير السياق اللفظي.

س12 : كيف يمكن أن نفهم الصنف الثاني هنا؟

ج : يمكن فهم على فهمين:

الفهم الأول: كونه من ضمن المسببين والمؤثرين كما سبق, وذلك بأن نحمل المعنى على كونه إشارة إلى الفرد المعطي نفسه, من حيث أنه لا يكتسب صفة الاستحقاق للعطاء إلاّ إذا اتصف بكونه من الفقراء وأبناء السبيل.

أما كونه ابن السبيل, فلانقطاعه عن الأسباب الدنيوية وخروج حب الدنيا من قلبه.

وأما كونه يتيماً فليأسه من المخلوقين, وإن الأب المربي والمدرس المربي ليس لهم تأثير حقيقي ما لم يكن الله سبحانه هو الواهب والموفق.

ومن هنا كان الصنف الأول في الآية هو الفاعل الحقيقي, وكان الصنف الثاني فيها متمم الاستحقاق للعطاء.

أو قل إن الأول يمثل المقتضي والثاني يمثل المانع (باصطلاح الفلاسفة).

الفهم الثاني: أن نعتبر الصنف الأول الصنف الفاعل والمؤثر فقط, والصنف الثاني هو الطرف المنفعل والآخذ. باعتبار أن العطاء الذي يأتي إلى المؤمن يجب أن لا يكون حكراً عليه, بل يجب عليه أن يوزعه بين المستحقين له والمتحملين لمسؤوليته, وبالآخرة على المحتاجين إليه والمريدين له, وهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل (على المعنى الذي فهمناه للفهم الأول).

س13: فهمنا مما سبق: إن الشيء الواحد من العطاء مقسم خمسة أقسام لكل صنف من المذكورات قسم, مع أن الواقع إنها جميعاً لله عز وجل؟

ج : نعم هو كذلك, إلاّ أن هذا بالنظرة الأعلى. وأما بنظرة أدنى منه فهو موزع فعلاً بين هذه الأصناف.

س14 : وكيف ذلك ؟ هل يمكن الزيادة في الجواب؟

ج : يمكن أن نفهم معنى ذلك بأن: يكون كل صنف مالكاً للجميع وليس هذا من قبيل الملكية الفقهية ليستحيل تعلقها بالجميع, بل بمعنى تسبيب كل واحد منها بما هو أهله وبمقدار تأثيره في إيجاد هذا الشيء كله.

ويكفينا أن نلتفت إلى أنه يلزم من عدمهِ عدمه, أي أنه لو لا هذا التأثير لكان هذا الشيء منعدماً أو هذا العطاء زائلاً.

س15: فإن الآية قالت : { لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } واللام تفيد الملكية لا التسبيب والعلية؟!

ج : إن العلة دائماً مالكة للمعلول, بل هي الملكية الواقعية, وليست الملكية الظاهرية إلا وهماً بإزائها. وقد قالوا في الفلسفة : (بأن المعلول يحتاج في وجوده وفي استمراره إلى العلة) إذن فالعلة مالكة ومسيطرة على معلولها ما دام المعلول موجوداً, ولا يمكنه أن ينفك عنها.

س16 : الآية ذكرت ستة عناوين مؤثرة, مع أنها ذكرت الخمس ولم تذكر السدس؟

ج : هذا له عدة أجوبة :

الجواب الأول: إرجاع العناوين الثلاثة الأخيرة إلى عنوان واحد ( المحتاج عموماً) فستندرج الثلاثة فيها, وذلك بقرينة ( عدم تكرار اللام فيما بينها).

إلاّ أن هذا لا يتم, لأن العناوين عموماً ستصبح أربعاً لا خمسةً فيتجدد الإشكال .

الجواب الثاني: أن نفهم انساب العطاء إلى الفاعل المسبب ونفهم (كما سبق في بعض الأجوبة) اقتصار التسبيب على الصنف الأول دون الصنف الثاني الذي أعتبر منفعلاً مستحقاً.

إلاّ أن هذا لا يتم أيضاً, لأن المؤثرات سوف تصبح ثلاثة لا خمسة.

فيعود الإشكال, ما لم يتم الجواب عليه من زاوية باطنية أخرى (ليس هنا محل لها).

الجواب الثالث: أن نحذف أحد العناوين الثلاثة المتأخرة, وقد أشرنا فيما سبق إلى أنه عنوان (اليتيم) بالرغم من كونه غنياً وعزيزاً في مجتمعه, يكون مستحقاً. فإنه إنما يكون مستحقاً بصفته فقيراً أو مسكيناً فيندرج تحته.

س17: إذن فلا ضرورة لتقدير لفظ (خمسه) مراراً بعد تكرار اللام الظاهرة {ولرسوله ولذي القربى ولليتامى} فإنه يكفي في تكرار العامل بالعطف؟!

ج : إننا إذا سلمنا بذلك خلافاً لما ذكرناه فيما سبق, فقد اقتربنا إلى الفهم المشهوري, ولكننا هنا فقط نريد أن نفهم من الغنيمة معنىً معنوياً مع الاحتفاظ بأن العناوين الستة المدرجة في الآية الكريمة هم الآخذين والمنفعلين, ولم نلاحظ فيهم جهة الفاعلية والتسبيب, لأنه مقتضى فهم المشهور هو ذلك.

س18: على ما تقدم, فما الذي يفهم من معنى (الغنيمة) ومعنى (خُمسها)؟

ج : يمكن أن نفهم من ذلك عدة أمور, هي:

 الأمر الأول: ما سبق أن ذكرناه من أن المراد منه (العطاء الإلهي) على كل أشكاله. فيراد من دفع الخمس: التسبيب إلى ذلك العطاء بالشكل المناسب له. فيكون الفاعل فيه هو الفرد وتلك العناوين منفعلة أو آخذه.

ومن هنا قيل: {إن القدم الأولى من العبد والباقي من الله}. وعلى أي حال, فيكون الفرد فاعلاً للخمس ومنفعلاً في غيره.

الأمر الثاني: ما يشمل الذات نفسها, فإنها أيضاً من عطاء الله سبحانه, وعندئذ فلا بدّ من دفع جزء منها لله عز وجل خصوصاً, ولكل هؤلاء المستحقين عموماً.

س19: على هذا فإنه ينبغي دفع كل الذات إليه سبحانه وليس خمسها أو كسر ضئيل منها؟

ج : هو كذلك, فإن تلك الأخماس الباقية هي لله سبحانه أكيداً, ولكن إنما يدفع الفرد بمقدار ما يشعر به من السيطرة على ذاته وقيادتها, وما هو إلا جزءاً ضئيلاً من الذات الكلية, فإذا رفعه إلى الله سبحانه كانت الذات كلها له سبحانه.

س20: وهل يراد بالخمس هنا تحديد كسر معين؟

ج : ينبغي الإتفات إلى أنه لا يراد بالخمس تحديد الكسر المعين, بل مطلق الكسر الضئيل الذي قد يختلف باختلاف الأفراد أنفسهم.

س21: أن الذات لا تدفع لغير الله سبحانه, فكيف نصت الآية الكريمة على خلاف ذلك؟

ج : إن الأمر كما قلت. إلاّ أن إعطاء الذات لله على غير مستوى إعطائها لغير الله ولو كان على غرار واحد ومستوى فارد لكان شركاً. غير أنها لله ولمن يأمر الله بحبه أو نفعه, فيُنفذ إرادة الله تعالى فيه. ولا شك أنه أمرَ بحب النبي وقرباه وبقضاء حاجة المحتاجين اقتصادياً ونفسياً وعقلياً وعلمياً.

كما أن الصنف الثاني في الآية مشترطاً بكونه هاشمياً عموماً أو علوياً خصوصاً كما دلت على ذلك السنة المعتبرة الشريفة و(للسنة أن تقيد القرآن الكريم).

س22: حسب التفسيرين السابقين, فهل نعتبر الصنف الثاني منفعلاً أم فاعلاً؟

ج : إذا اعتبرناه فاعلاًَ توقف فهم الآية على مقدمة مختصرة وحاصلها: إن الانتساب إما أن يكون نسبياً أو سببياً (أي تربوياً وعلمياً).

ونحن نعلم: أن الانتساب ألسببي أهم عند الله من الانتساب النسبي, بل هو الانتساب الحقيقي عقلياً وروحياً ونفسياً, وعليه تترتب الآثار المعنوية المهمة. وتدل على ذلك جملة النصوص, كقوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} وهو إشارة إلى الولادة الاعتيادية, وإنما يختلف الولد عن أبيه بهذه الصفات باعتبار تربيته وثقافته التي هي الولادة المعنوية الأساسية.

ومن هنا قال تعالى عن أحد أولاد نوح عليه السلام: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} فنفى الولادة النسبَية باعتبار عدم أهميتها تجاه الولادة السببية التي كانت منتفية تجاه نوح باعتبار فسق الولد وفساده.

س23: هل يصدق هذا وما ورد {اللهم العن بني أُمية قاطبة}؟

ج : يصدق ذلك, إذ ليس المراد من كان منهم نسباً, بل من كان منهم سبباً, وعندئذ لا يمكن أن يكون صالحاً أو لا يستحق اللعن, وأما إذا كان منهم نسباً ولم يكن منهم سبباًَ لم يستحق اللعن.  إذن فالعمدة الأهم هو الانتساب المعنوي لا النسبي, ومن هذا القبيل الانتساب إلى بني هاشم وإلى النسب العلوي الشريف فإنه إنما يكون بالجانب الأهم وهو (عالم المعنى).

فقد لا يكون هاشمياً نسباً ولكنه يصبح كذلك سبباً, وكذلك العكس. وهو ما إذا كان هاشمياً ولكن النسب الهاشمي بريء منه لتطرفه في العصيان والطغيان.

وهنا تبين جواب السؤال (السابق لهذا السؤال) فمن الحق أن يكون هذا الجانب أو هذا الصنف من الناس فاعلاً للخيرات وواسطة في فيض الله سبحانه.

س24: هذا الجانب أو هذا الصنف من الناس أهو فاعلاً أم منفعلاً؟

ج : إذا اعتبرناه فاعلاً, فأوضح مصداق لذلك هم المعصومون عليه السلام. إذ ورد أنهم {أبواب الله} و {أمناء الله} وإن إرادته تصدر من بيوتهم.

أما إذا اعتبرناه منفعلاً. فمن الواضح أن هذا الانتساب بأي معنى فهمناه هو الأحق بالنفع والانتفاع, لأن فيهم شرف النبوة والعصمة. وقد كان من العارفين من يقول: (إن النطفة النبوية تطهر ذات المولود) فيكون أكثر قابلية للتكامل وأكثر استحقاقا للعطاء. وهو معنى تكويني في الخلقة ناتج من المشيئة واللطف الإلهي.

س25: القول المذكور في الجواب السابق من أن النطفة النبوية مطهرة للذات. هل هو صادق تماماً؟

ج : هذا القول يمكن أن يفسر إلى تفسيرات كثيرة. كل ما في الأمر إنه يمكن اعتباره إشارة إلى النطفة النسبية من الفرد السوي الهاشمي. وإلاّ فالواقع يثبت خلاف ذلك كما تعرف.

س26: الفقراء من غير بني هاشم أضعاف فقراء بني هاشم, ومع ذلك فالمبالغ المرصودة لهم أضعاف المرصودة لغيرهم بالزكاة, ونحن قد عرفنا نسبة الزكاة تمثل جزء من أربعين جزء في حين أن الخمس نسبته العشرين بالمئة من مجموع المال؟!

ج : يمكن أن يجاب على هذا الأشكال على عدة مستويات منها:

أولاً: إننا لا ينبغي أن نلحظ النسبة بين الهاشميين وغيرهم في كل البشرية, بل في خصوص المسلمين المؤمنين فقط, فإذا لاحظنا أن نسبة التوالد بين الهاشميين متصاعداً نسبياً, كانت النسبة الفارقة بين الجماعتين أقل من المتصور بكثير.

ثانياً: إننا لا ينبغي أن نلحظ إعطاء الخمس من البشرية كلها, فإن هذا مما يخالف الواقع المعاش بين فئات المسلمين, فإن أغلبهم ليسوا من المسلمين حقيقة, ولا يؤمنون بدفع الزكاة ولا الخمس.

بل أن دفع الزكاة في المجتمع أوسع من دفع الخمس. إذا لاحظنا مذاهب المسلمين عموماً. مضافاً إلى إمكان التزام طبقة أكبر من الناس بها, لاعتبارها (أي الزكاة) أرخص من الخمس وأقل تكليفاً للمالك, فيكون وقعها على الناس أسهل.

من هنا يتضح : إن ما يجمع من الزكاة يقارب أو يزيد مما يجمع من أموال الخمس.

ثا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السابق